الوفاء المطلوب للصحفي الفلسطيني

محمد إسماعيل ياسين
الاثنين ٣١ ١٢ / ٢٠١٨

يبدو المشهد الإعلامي الفلسطيني متناقضا تمام التناقض في ظل يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني، ففي الوقت الذي يبدع فيه الإعلامي الفلسطيني، ويتألق في سماء المجد، ويضحي بالدم وبالروح، تضيق به السبل وتتردى أوضاعه على نحو يرثى له، ما يجعل الواحد والثلاثون من ديسمبر محطة جديرة لمطالعة واقع الصحفي الراهن، لا سيما أنه دفع فاتورة باهظة للانقسام الممتد منذ حزيران 2007 دون أن تفلح جلسات وجولات ومحطات الحوار الدائرة منذ ذلك الحين في جبره، بل زاد خلاله بؤس حال الصحفي الفلسطيني، وبات واقعه لا يسر عدوا ولا حبيبا.

وفي حين ينزوي عام 2018 حاثاً خطى عقارب ساعاته الأخيرة، تكشف نظرة سريعة على سجل الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها فرسان الإعلام الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي، وكان أشنعها قتل الزميلين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين، فضلاً عن إصابة أكثر من 200 صحفي بالرصاص وقنابل الغاز منذ انطلاق مسيرات العودة نهاية مارس الماضي، وتدمير مقر قناة الأقصى الفضائية، واقتحام مقر وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، وغير ذلك، تكشف قسوة الواقع الذي يزيد بؤسه صمت المنظمات الدولية ذات العلاقة بحماية الصحفيين.

وليت الانتهاكات اقتصرت على الاحتلال الإسرائيلي، إذ بكل أسف، تورطت الأجهزة الأمنية الفلسطينية، بممارسة الانتهاكات ضد الصحفيين، وكان أبرزها ملاحقة الصحفيين على خلفية ما يسمى قانون الجرائم الإلكترونية، وما أدراك ما قانون الجرائم الإلكترونية الذي يبيح كتم الأنفاس ووأد الحروف، ونحر المعاني وتقييد الحريات، وكفى بذلك شاهداً على بؤس حال الصحفيين بما يغني عن الكثير من مفردات التشخيص لواقعهم، الذي يزداد تشوهاً بغيب الجسم الجامع للصحفيين بلسان الحال لا بلسان المقال.

كذلك فإن ضعف الموارد المالية الذي يعصف بالمؤسسات الإعلامية إجمالاً يلقي بظلاله الكئيبة على الصحفيين في شتى المجالات، حتى بات الصحفي يتحسس جيوبه قبل انطلاقه للعمل خشية ألا يجد تكلفة مواصلاته، بل بات كثير منهم يتحسسون مواقعهم في ظل حالة الإفلاس التي وصلتها أو تكاد المؤسسات الإعلامية بشكل أو بآخر، وبعضهم لم يتوانَ عن استكشاف واستطلاع فرص عمل خارجية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ولا ينبغي المرور على قصف وتدمير قناة الأقصى الفضائية التي يعمل لصالحها أكثر من 200 صحفي دون قدرتها على إعادة البناء على النحو السابق في ظل شح وضعف الموارد المالية، وكذلك إغلاق قناة الكتاب الفضائية التي ضمت أكثر من 40 إعلاميا، وغير ذلك من المعطيات السلبية التي تعكس هشاشة المشهد الإعلامي الفلسطيني، وتستدعي تدخلاً عاجلاً وسريعاً لإنقاذ المؤسسات الإعلامية وتمكينها من الاستمرار والمواصلة، وعدم الاستهانة بحال من الأحوال بدورها في إسناد الحالة المعنوية للمجتمع الفلسطيني.

كما تبرز البطالة المتفشية في صفوف خريجي الصحافة والإعلام كتحدٍ أمام من يعنيه صلاح حال المشهد الإعلامي الفلسطيني، إذ ترنو نسب البطالة في صفوفهم إلى نحو 50% وفق معطيات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني للعام المرتحل، فضلاً عن أن البطالة تهدد آخرين من العاملين في المؤسسات الإعلامية جراء الحصار الخانق الذي أفضى لعجز بعضها عن تأمين موارد مالية تكفل استمرارها بالنحو المرجو والمأمول، وبات تقليص الكوادر العاملة على أجندتها بشكل أو بآخر.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الصحفي الفلسطيني ما زال يدفع فاتورة ضعف نقابة الصحفيين وعدم مبادرتها لجمع شمل الصحفيين من مختلف أطيافهم بما يعكس رغبة واضحة باستمرار الاستفراد بها لصالح فئة بعينها، فإلى متى يستمر هذا الحال؟ إلى متى؟! ومن المؤسف في هذا السياق، أن الأطر الإعلامية باختلافها باتت تلتزم الصمت حيال ملف نقابة الصحفيين إلى حد كبير، فعلى ما يبدو أن الملل أصابها، وفقدت الأمل بإصلاح واقع النقابة بما يغري المتفردين بها للاستمرار بنهجهم والاستفراد بمقدراتها والدعم الخارجي الذي يأتي باسم الصحفيين الفلسطينيين ولصالحهم لكنه يذهب لفئة محدودة منهم.

إن اقتصار الوفاء للصحفي الفلسطيني على احتفال هنا، وبيان منمق هناك، لا يجدي كثيراً، لا سيما في ظل الواقع المرير الذي يعانيه الصحفي الفلسطيني، والمطلوب إزاء ذلك، ترجمة الوفاء بإنصاف حقيقي للصحفي عبر عمل دؤوب وحقيقي بمختلف المسارات من أجل فتح نوافذ التغيير المنشود بما يلبي احتياجات النهضة المطلوبة للإعلام الفلسطيني.

ولا يكفي هنا الحديث عن أهمية الإعلام كسلاح نوعي في معركة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي، بل ينبغي ترجمة ذلك دعماً وإسناداً بمختلف الصور والأشكال، وفي مقدمة ذلك الدعم المالي واللوجستي حتى يتمكن الإعلام الفلسطيني من أداء واجبه المهني والوطني في التصدي لدعاية الاحتلال الإسرائيلي الذي يسخّر أحدث التقنيات والأدوات في حربه ضد شعبنا الفلسطيني بغية تمزيق الجبهة الداخلية للمجتمع الفلسطيني.

ولئن كان سلاح المقاومة مقصور الاستخدام على مواجهة الاحتلال زماناً ومكاناً، فإن سلاح الإعلام يمتد استخدامه قبيل فترات التصعيد والعدوان العسكري وخلالها وبعدها، بما يجعله ممهداً لأي مواجهة، ومعززاً للصمود فيها، ومؤكداً رسالة المقاومة بعدها، إذ ينبغي عدم ترك المجتمع الفلسطيني مستباحاً أمام آلة الدعاية الإسرائيلية بما يرتد سلباً على المقاومة وقدرتها على الصمود، لا سيما أن الالتفاف الشعبي واحتضان الجماهير للمقاومة، كان العامل الأبرز لإسناد المقاومة في تصديها لعدوان عام 2014 الوحشي.

ربما يظن البعض أن الحروف السالفة، والسطور السابقة نحت باتجاه رسم صورة سوداوية للمشهد الإعلامي الفلسطيني، غير أن تشخيص الواقع غير ذي صلة بالتفاؤل، والصدق في التشخيص يمثل أولى خطوات العلاج، فتحديد المشكلة أولى الأبجديات لرسم خطة طريق للإصلاح والنهوض، ولا أظن أن هناك من يختلف مع ما سبق إلا بحد يسير.

وختاماً، فإن المطلوب تداعي مختلف الأطراف ذات الصلة لوقف مسلسل الانتهاكات ضد الصحفيين، والضغط على المنظمات الدولية للقيام بدورها، فضلاً عن تعزيز الدعم المالي للمؤسسات الإعلامية، وإعادة الاعتبار لنقابة الصحفيين حتى تمثل الصحفيين كافة، وحتى تنهض بواقعهم في شتى المجالات، وتنبري للدفاع عنهم بقوة بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية وميولهم الفكرية، وحتى تعكس عملاً نقابياً راقياً يليق بالصحفيين وتضحياتهم، وما ذلك سوى البداية لانتشال الصحفيين من واقعهم المرير، وليس كل الحل، وليس كل العلاج المطلوب.

--