إقرأ المزيد


"عشت مع أناس لا صلة لي معهم إلا رباط الإنسانية الأولى"

العتيبي.. مغامر كسر حكر الغرب للأفلام الوثائقية

المغامر الأردني في ضيافة قبيلة السورما
حوار - عبد الرحمن الطهراوي

"هذا مذهل"! فتَح لؤي العتيبي فمه وهو يحاول ابتلاع تفاصيل المشهد الذي حدث أمامه في جزيرة "سولاويسي" وسط إندونيسيا، جثة امرأة متصلبة تستند إلى كتف شابٍ يقول إنه ابنها وقد أتى ليصطحبها إلى زيارة ميدانية. بضع ساعاتٍ كانت كفيلةً كي يفهم الرجل العربي أن هذا الأمر اعتياديٌ هنا! كل ميتٍ له الحق في أن يخرج من تابوته كل ثلاث سنوات ليتمتع بأشعة الشمس ويزور أهالي قريته والأقارب على مدار ثلاثة أيام، ولكن بعد تغسيله وتغيير ملابسه وكفنه!

في الحقيقة، كان هذا أقصى ما يمكن أن يتخيل العتيبي أنه قد يقابله يومًا من غرائب القرن الواحد والعشرين"، لولا أنه حطّ رحاله يومًا في جزيرة "بابوا" أقصى غرب غينيا الجديدة، وهناك كانت الصاعقة.. خمسةٌ وعشرون يومًا قضاها في قبيلةٍ أبناؤها يأكلون "لحوم البشر"، بل ربما يذبح الفرد منهم شقيقه ثم يتناول لحمه بأعصاب هادئة، وتلك عاداتهم المتوارثة.

هل تخيلت يومًا أن تتذوق دم نعجة؟ أو أن تأكل الديدان والحشرات؟.. حسنًا: هل سمعت ببوابة جهنم حيث سيول الحمم البركانية تغلي تحت قشرة الأرض بينما عليها يمكن أن تجد أشخاصًا يمشون لتصوير حلقة لفيلم وثائقيٍ؟ وماذا عن ضباعٍ وأسودٍ قد تلعب معها في غابات الأمازون أو أحراش إثيوبيا؟

نعم صديقي القارئ هذا وأكثر، يحدث الآن وبينما أنت تقرأ هذه السطور في مكانٍ ما على سطح كوكب الأرض.. تفاصيل غريبة ومشاهد مرعبة عايشها ضيف "فلسطين" المغامر لؤي العتيبي مُنتِج سلسلة أفلام (اكتشاف المجهول.. إثيوبيا على الأقدام)، وأحد عمالقة الأفلام الوثائقية العربية الذين كسروا قاعدةً أن "الوثائقي" حكرٌ على الإعلام الغربي.. دعونا نتعرف أكثر على مغامراته في سياق الحوار التالي.

التاجر

ولد العتيبي صاحب الجنسية الأردنية في العاصمة الكويتية الكويت، حيث تلقى تعليمه الأساسي هناك، وحصل على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة "فيلبس كولي" في شبه جزيرة قبرص، شُغِف منذ نعومة أظفاره باستكشاف المجهول، وعشق متابعة الأفلام الوثائقية التي تحكي عن مجاهل الحياة والطبيعة، وهذا ما دفعه إلى زيارة 79 دولةً حول العالم بدءًا من أوروبا والأمريكيتين، مرورًا بأفريقيا وآسيا كتاجرٍ ورحّالة أيضًا.. حتى انتهى به المطاف كمتخصصٍ في إنتاج الأفلام الوثائقية الخاصة ذات الطابع الاستكشافي.

يقول ضيفنا: "كنت أعيش حالةً من الشغف المسبوق بالخيال صاحبتني منذ طفولتي، وحلمٌ جميل كان يراودني أن أكون مغامرًا أطوف العالم وأعيش التجربة الإنسانية أينما وكيفما كانت دون النظر إلى عرق أو دين أو لغة".

ولعل القدر أدى دورًا مهمًا في مساعدة العتيبي على تحقيق حلمه، عندما هداه إلى مهنة التجارة التي أتاحت له فرصة السفر والتنقل وفتحت أمام عقله فكرة المغامرة.

يضيف: "خلال عملي كنت أزور مناطق وبلدات ذات أطباع وتقاليد غريبة وغير مألوفة لشعوب وقبائل معزولة، وهذا أثار فضولي للتغلغل في حياتهم، بل والبحث عن مناطق أخرى لم يصل إليها المستكشفون بعد"، لتتطور الأمور بعد ذلك فتتحول هذه الرحلات ذات الغرض التجاري إلى رحلات قصيرة استكشافية تستهدف دول جنوب شرق آسيا في بداية الحكاية.

على إثر ذلك تتابعت رحلات العتيبي إلى مناطق نائية أخرى ولفترات زمنية أطول، وبات يشعر أنه يحمل جواز سفر إنسانيًا مكّنه من الوصول إلى أناس لا صلة له بهم إلا رباط الإنسانية، خالعًا ثياب القرن الواحد والعشرين وممزقًا صورة الحياة النمطية، ومحاولًا في ذات الوقت التعرف على الإنسان الحقيقي الذي لم يعد موجودًا في مجتمعاتنا الحضرية.

في إثيوبيا على سبيل المثال –يؤكد العتيبي- أنك دائمًا تقف أمام مشاهد جديدة للحياة، "هناك تحجّ إلى سمائها وتتعرج في الصحراء الواسعة وتحملك الرمال وتتهادى بين كثيب وآخر، وهناك تقضي ليالي حالكة تزيّنها مصابيح السماء، تسمع صراخ طفلة وترى عيون سمراء قرّحتها الشمس وتستشعر آلام أمٍّ تكابد المرض وطفلة على صدرها تحاول الحياة ولا حياة".

جوهر الإنسان

ويذكر العتيبي الذي زار إثيوبيا في النصف الأخير من عام 2013م لغرض تصوير سلسلته الوثائقية الأولى لصالح قناة الجزيرة الوثائقية, إثيوبييْن كانا يمشيان سوية في الأراضي الفسيحة كأنما كلٌّ يغني على ليلاه، الفتاة تفتح عينيها المتورمتين بيديها بسبب الالتهابات والتقرحات، والرجل يعرج ويمشي على إحدى الرجلين لتقرح وتورم الأخرى، فالاثنان مقروحان، الاثنان يعانيان، وكلاهما تدفعهما الحياة ليمضيا حيث لا غاية ولا مفرّ من المواجهة؛ وجهان صامتان يتألمان".

يتابع: "نحن في مجتمعاتنا تنازلنا عن قيمتنا الذاتية دون ذنب منا، إنما السبب في العولمة التي جعلتنا نأكل ذات الطعام ونلبس اللباس المتشابه ونتحدث بطريقة واحدة، وكل ذلك أفقدنا النكهة الحقيقية لحياتنا رغم أن الله خلقها متنوعة، أما أنا فأرى خلال مغامراتي الإنسان الحقيقي من دون شوائب الذي لم تحكمه بعد قوانين المادة، ومنه أتعلم كيفية التعامل مع الطبيعة وآلية تدبير شؤون الحياة اليومية البسيطة وأتعلم دروسًا في التعاون والتكافل الاجتماعي، وهذا هو جوهر الإنسان".

ويرفض العتيبي أن يفاضل بين البقاع التي زارها طوال السنوات الماضية، معللًا ذلك أن لكل مكان في هذه الأرض جماله وسحره، فالتنوع القائم على أرض الله يخلق الجمال كما هو التنوع في الزهور والفراشات والطيور، ثم يجدد التأكيد أن الذي يهمه الهوية الحقيقية للمجتمعات، لذا يتعمق في أريافها وصحاريها وغاباتها وفي حياتها البرية، كما تهمه المجموعات البشرية التي رفضت الذوبان في العالم الجديد المتشابه نسبيًا، وحافظت على أسلوب حياتها وتقاليدها التي توارثتها منذ آلاف السنين.

ولما سألته عن ماهية تحضيرات قبل الخروج برحلاته, أجاب: "أحاول أن أجمع كل المعلومات المتوافرة عن المكان الذي أنوي زيارته في ظل وجود مصادر معلوماتية كثيفة في عصرنا الحديث، وإذ لم أحصل على المعلومات الكافية فأدرس أفضل الطرق للوصول إلى المكان ثم أخرج برحلتي متوكلًا على الله أولًا ثم على خبرتي والحظ، لذا في بعض الأحيان أنجح ويكون للنجاح طعم مختلف وأحيانًا أفشل ولكن أعاود المحاولة من جديد".

قاطعت حديث ضيفنا لأسأله هل يكون مقصده خلال رحلاته سريًّا أم معلومًا؟ فأوضح أنه يضطر غالبًا إلى عدم الإفصاح عن نوعية مغامرته أو المكان المستهدف، بسبب الصعوبات والمخاطر التي يتوقع أن يوجهها ما يؤدي إلى قلق الأهل عليه، ولكن يقتصر الأمر على إخبار شقيقه ببعض تفاصيل الرحلة والمدة المتوقعة لإنجازها كون أن جل المناطق والقرى التي يزورها تفتقر لأي وسيلة اتصال مع العالم الخارجي.

اكتشاف المجهول

وبعد المغامرات الفردية التي خاضها لؤي في غابات الأمازون وصحاري كلهاري وعفار وأحراش إثيوبيا، استشعر أهمية توثيق تجاربه الشخصية القادمة ونقل تفاصيل مغامراته لمن يتحدثون اللغة العربية، لإدراكه العميق أن الشاشة العربية لم تُقدِّم حتى الآن ما يُرضي فضول المشاهد العربي من الأعمال الوثائقية التي تسعى لاكتشاف المجهول.

واختار العتيبي جمهورية "إثيوبيا" لتكون بمثابة الموقع الأول الذي لن يزوره بمفرده هذه المرة، بل سيصطحب معه العالم أجمع وتحديدًا العربي، وذلك بعدما وافقت قناة الجزيرة الوثائقية على مقترح ضيفنا بإنتاج سلسلة ذات طابع استكشافي تهدف للتعرف على طبيعة الحياة البرية في إثيوبيا وحياة القبائل التي تقطن الأماكن النائية هناك، تحت عنوان "اكتشاف المجهول.. إثيوبيا على الأقدام".

وتعد عملية بناء فريق العمل من أهم متطلبات نجاح المغامرة وخروجها بنجاح على الشاشة، لذلك لا تتم عملية الاختيار على أسس فنية فقط بل يشترط أن يكون الفريق راغبًا بخوض التجربة ومتحمسًا للاطلاع على التجارب الإنسانية أينما كانت بغض النظر عن ما سيواجه من ظروف قد تكون قاهرة فضلًا عن أتعاب جسدية ونفسية وعصبية أثناء رحلاته بمجاهل هذا العالم.

ويوضح: "بعد الانتهاء من مرحلة اختيار فريق العمل الذي ضم طواقم مميزة في التعامل مع الصورة تقنيًا وإخراجًا بجانب أشخاص لهم خبرة في أعمال اللوجستك للأفلام الوثائقية ومساعدين وسائقين وطباخين وأطباء ومترجمين وميكانيكيين، اجتمعت بالفريق ككل لأعرفهم بتفاصيل المواقع التي سيتم التصوير بها وطبيعة المخطط العام الذي سنتعامل به، وما الصعوبات التي قد تعيق هدفنا الأساس وما الحلول المناسبة لإنتاج هذا العمل وبثّه للعالم العربي تلفازيًا".

وقبل انتقال دفة حوارنا الدسم نحو الحديث عن تفاصيل سلسلة "اكتشاف المجهول.. إثيوبيا على الأقدام" التي جاءت بعشر حلقات واستغرق التحضير الأولي لها منذ مطلع عام 2010 حتى منتصف 2013 ثم استمرت عملية التصوير سبعة وستين يومًا متواصلة بينما احتاجت عملية المونتاج ستة أشهر، تطرقنا إلى أسباب اختيار "إثيوبيا" كمحطة أولى.

متحف الشعوب

إذًا.. لماذا إثيوبيا؟، يجيب ضيفنا الأردني: "إثيوبيا بلد له تاريخ قديم وعريق وصاحب حضارة اكسوم، يعيش فيها اثنان وثمانون عرقًا وكل منهم يتكلم لغته الخاصة وكل له عاداته وتقاليده ويعيشون في تناغم وسلام، إن قلت إثيوبيا، هناك تعيش الحياة منذ نشأتها إلى منتهاها تعيش حياة مختلفة وجغرافيا متنوعة في دولة واحدة كالصحاري والبراكين والأحراش والوديان والأنهر والغابات والجبال".

ويزيد على إجابته العميقة تلك: "في إثيوبيا أنت أمام تجربة إنسانية فريدة وسط بيئة جغرافية مذهلة ومجاهل إنسانية غاية في الروعة والجمال، أنت داخل دولة لديها ظواهر جدّ غريبة وتقاليد لم يُسمع بها قط، فيها يوجد عوالم مختلفة في إطار جغرافي فسيح، هي حقًا "متحف الشعوب" كما سمّاها المستشرق الإيطالي كونتي روسّيني.. وكل وذلك سيتضح في التفاصيل القادمة".

وتبدأ أولى حلقات السلسلة بلقطات بانورامية متنوعة من أنحاء إثيوبيا ثم يخرج صوت العتيبي معلقًا: "رحلتنا في إثيوبيا بعيدة كل البعد عن العاصمة وكل المناطق الحضرية.. ولكن العاصمة نقطة الانطلاق إلى الأقاليم الجنوبية والشرقية والشمالية..", قبل أن يجيب لؤي عن سؤال خارجي يسأله عن شعوره الآن، قائلًا باختصار: "بلشت الرحلة.. Let's go to the forest".

ومن العاصمة أديس أبابا ينطلق لؤي العتيبي وفريقه الاستكشافي إلى بوابة مينيليك الثاني التي كان ينظر منها الملك وهو مؤسس إثيوبيا الحديثة على كامل مملكته، وبعدها توجه إلى مرتفعات شوا الشمالية ليقترب من أهم القرود النادرة في العالم وهي قرودة الجيلادا والتي يبلغ عددها حوالي 250 ألف قرد موجودة فقط في هذه المرتفعات، ثم يتوجه الفريق "لاليبيلا" لكشف حقيقة الأساطير التي تروي عن كنائسها العجيبة.

إلى هنا، لم تنتهِ القصص مع ضيفنا المغامر.. ولكن يبقى للحديث بقية في عدد الغد فتابعونا لتتعرفوا معنا على تفاصيل الحياة مع آخر شعب يأكل لحوم البشر وقبائل أخرى تدمن شرب الدم صبيحة كل يوم.