"التوحد".. مرض عصري يسلب حياة الأطفال ويهوي بهم نحو "المجهول"

صورة تعبيرية
غزة/اخلاص سمارة:

تراه يجلس وحيداً، لا يسمعك، لا يتحدث معك، لا يعبر لك عن مشاعره أو عواطفه، تجده عدائياً نوعاً ما، يفضل اللعب بمفرده، لا ينظر إلى عينيك، ينسحب إلى عالمه الخاص بكل هدوء هذا هو حال المصاب بمرض التوحد.

ويُعرف مرض التوحد على أنه "عبارة عن اضطراب عادة ما يُلاحظ على الطفل في سنّ مبكّر، حيث يؤثر على تطوّره وجوانب نموّه المختلفة، فيكون تطوره غير طبيعيّ، ويظهر خللاً في تفاعله الاجتماعي، ويتميز بتكرار أنماط سلوكية معيّنة، وبضعف تواصله اللفظي وغير اللفظي مع الآخرين".

تقول (م.ف) وهي أم لطفل مريض بالتوحد أن ابنها في عمر الـ11 شهر بدأت تظهر على تصرفاته بعض الغرابة منها أكله نفس الطعام يومياً، عدم تفاعله مع الأخرين، وأذية نفسه بأدوات حادة دون الشعور بأي ألم.

وتضيف لـ "فلسطين": "عرضت ابني على أكثر من دكتور متخصص ولكن لم يستطع أحد تشخيص حالته جيداً، بعد ذلك تطورت حالته وعلمت من أعراضه أن لديه مرض التوحد".

وتوضح أنها لجأت في بداية الأمر إلى جمعيات خاصة نظراً لعدم وجود مؤسسات حكومية تهتم بمرضى التوحد لكنها لم تستمر بسبب سوء الظروف الاقتصادية".

أما والد الطفل (ح.م) أوضح أنّ ابنه أصيب بمرض التوحد وعمره عامين، حيث لاحظ عليهتأخره في بعض الأمور عن الأطفال المساوين له بالعمر كتأخره في النطق والمشي، لذلك تم عرضه على طبيب متخصص، أخبره حينها أن ابنه مصاب بالمرض.

وأشار إلى أن التعامل مع الأطفال المصابين بمرض التوحد صعب للغاية حيث يحتاج إلى عناية ورعاية طوال اليوم، من فترة استيقاظه إلى نومه.

إعاقة ثلاثية

بدورها، عرفت الأخصائية النفسية ايمان حجو التوحد على أنه الإعاقة الثلاثية (الإعاقة الاجتماعية والأسرية وإعاقة التواصل مع الاخرين )، حيث يولد الطفل ليس لديه قدرة التعامل مع العالم الخارجي، ويكون كثير الوحدة لا يختلط مع الأخرين، وأيضا التوحد يصيب الجهة الأمامية من الدماغ المسؤولة عن الإدراك والفهم والسلوك واللغة.

وأوضحت حجو في حديثها لصحيفة "فلسطين"، أن الدراسات والأبحاث العلمية لم تثبت حتى الآن السبب الرئيسي لوجود هذا المرض، ولكن هناك نظريات لعبت دوراً مهماً في وجوده منها نظرية الحرمان البيئي التي تتمثل في ترك الطفل ساعات طويلة على التلفاز ، وأيضا نظرية الأم الباردة التي لا تتفاعل مع الطفل لا جسدياً ولا لفظياً.

وقالت: "من أصعب الأمور وأكثرها تعقيداً هي تشخيص مريض التوحد وخاصة في الدول العربية، حيث يقل عدد الاشخاص المهيئين بطريقة علمية لتشخيص المرض، ما يؤدي إلى وجود خطأ في التشخيص، أو إلى تجاهله في المراحل المبكرة من حياة الطفل، ما يؤدي إلى صعوبة التدخل في أوقات لاحقة.

وأضافت أنه لا يوجد علاج لمرض التوحد حتى الآن، ولكن يسير الأطباء في علاجه بعدة خطوات أساسية، منها العلاج السلوكي مثل مؤسسة تأهيلية للتغذية الخاصة لرفع القدرات التأهيلية في الدماغ، و العلاج الدوائي لأن غالبية المرضي يعانون من نقص بعض المعادن المهمة في الدماغ لذلك يحاول الأطباء تعويض هذه المعادن من خلال الأدوية التي تعطي للمريض، مشيرةً إلى أن العلاج تحتاج فترة طويلة جداً، وتختلف من مريض لآخر.

وأشارت حجو إلى عدم وجود أي مؤسسات حكومية تهتمبأطفال التوحد، باستثناء جمعيات خاصة تهتم بالأمر ولكنها تحتاج إلى مبالغ كبيرة لا يستطيع الأهل توفيرها، مؤكدة أن الطفل لا يستطيع خلال الوقت القصير الذي يتواجد به بالجمعية أن ينمي مهاراته ويكتسب المعرفة الكافية.

وتابعت: "الأهل هم الأفضل في تغيير سلوك الطفل المتوحد وتنمية مهاراته واكتسابه للمعرفة لأنه يجلس وقت طويل في البيت، لذلك يجب على الأهل أن يتثقفوا ويتعلموا كيفية التعامل مع الطفل وتحسين سلوكياته".

وتُشير الإحصائيات العالمية إلى أن نسبة مرض التوحد في أمريكا وكندا، أي بمعدل إصابة طفل واحد من بين 67 طفلاً، حيث تُعد هذه النسبة عالية جداً مقارنة بالنسب القائمة في العالم العربي، حيث أجريت احصائية عام 2013 في الأردن تفيد بإصابة طفل واحد بين 500 طفل.