​الطريق الطويل للكورنيت البصير.. مقاومة غزة وعِبرتها

ساري عرابي
الجمعة ١٦ ١١ / ٢٠١٨

الطريق الطويل إلى "الكورنيت" البصير.. غزّة ومقاومتها وعِبَرها

ساري عرابي

المعركة الأخيرة في قطاع غزّة ليست هي الأكبر فيما خاضته المقاومة في القطاع في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكنها وبالرغم من ذلك، تصطف في موقع فريد ومتقدّم إلى جانب جملة أحداث ومحطّات أخرى؛ ينتظمها سياق واحد هو المقاومة في غزّة، التي كانت قد انبعثت من جديد في انتفاضة الأقصى، ثم ظلّت تراكم قدراتها وتعظّم من خبرتها، حتى رأيناها أخيرًا في أداء فريد مركّب من العسكرة والسياسة والإعلام، وبالصورة التي فرضت إرادة الفلسطينيين في غزّة على إرادة الاحتلال.

لا ينبغي أن نتحدث عن المقاومة في قطاع غزّة في نسختها الراهنة، دون العودة إلى انتفاضة الأقصى، وذلك لاعتبارات غاية في الأهمية، في طليعتها: أنّ هذه المقاومة في غزّة هي امتداد طبيعيّ وبلا انقطاع لتلك اللحظة التاريخية التي استوعبت الفلسطينيين كلّهم ودفعت بهم في أعظم ملاحمهم في مواجهة الاحتلال. بكلمة أخرى، تمثّل المقاومة في غزّة الأصل الطبيعي، ليس من جهة أنّ المقاومة هي السلوك الطبيعي لشعب يكابد الاحتلال فحسب، ولكن ولأنّها من الناحية الفعلية امتداد طبيعي لفعل مقاوم شاركت فيه كلّ قوى الفلسطينيين، فالاتصال في هذه الحالة هو الأصل، والانقطاع هو الطارئ الغريب.

يعني ذلك أن المقاومة في غزّة حافظت على إرث نضالي، ومكتسب ضخم، حقّقه الفلسطينيون في انتفاضة الأقصى، التي نعيش -هذه الأيام- ذكرى شهورها الأولى، فإذا كانت نتائج تلك الانتفاضة محلّ جدل من جهة نتائجها لاسيما في الضفة الغربية، فإنّ الشكل المقاوم الموجود الآن في غزّة، بأدائه القتالي البديع، ونضجه السياسي الكبير، وضمن منظومة تستوعب التعدد الفصائلي والحزبي.. يمثّل حفاظ الفلسطينيين على ذلك الإرث، وعلى النحو الذي يمكن أنّ يُعدّ فيه إنجازًا، وهذه مسألة مهمّة، تحيلنا إلى مبدئي الإرادة والوعي الوطني الصحيح، الذي يمكن بهما، مناورة موازين القوى فاحشة الاختلال، وبالتالي فلدينا نموذج حاضر يمكن البناء عليه، واستخدامه للقياس في مراجعة مساراتنا المنصرمة والجارية.

بالتأكيد كان من ثغرات تلك الانتفاضة؛ بعض الأنماط المقاومة التي ربما حمّلت الفلسطينيين فوق طاقتهم، وكذلك حينما استمرت الانتفاضة في غزّة بأشكالها المعسكرة الآخذة بالتنظيم المطّرد عانت من عدد من الثغرات، إلا أن الإرادة التي تنبثق عن إيمان حقيقي بالمقاومة، والأرضية السياسية التي ينهض عليها العمل المقاوم، ظلّت تُنضج من وعي المقاومة السياسي، وصولاً إلى الأداء الأخير المبهر.

يجدر التركيز الآن على محطتين مهمّتين في هذا السياق المقاوم، الأولى: هي عدوان عام 2014، والبزوغ المقاوم المثالي في تلك الحرب، وبالصورة التي كانت قد نسخت كل تجارب المقاومة السابقة وإن كانت مبنية عليها، فتلك الحرب، ولولا ظرف الانقسام الفلسطيني، والاهتراء العربي، كانت مؤهّلة لتكون معركة كرامة أخرى للفلسطينيين، ولحماس منهم على وجه الخصوص، فإذا كانت معركة الكرامة الأولى رافعة حركة فتح أواخر ستينيات القرن الماضي، فحرب عام 2014 وهي حرب فلسطينية خالصة كانت بمجردها -لولا ما أحاط بها ولابسها من ظروف سابقة الذكر- كافية لأنّ تعيد تأطير الفلسطينيين في نموذج كفاحيّ مؤثّر وناضج.

ومع ذلك، فإنّ تلك الحرب، انتصبت لتكون رافعة معنوية للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، ولذلك يمكن التأريخ لهبّات الضفة والقدس منذ العام 2014، وحتى الآن بالتزامن مع تلك الحرب، ففي ظرف اتّسم بمحاولات إعادة صياغة وعي الفلسطينيين في الضفة والقدس، وإعادة هندستهم اجتماعيًّا، وإغراقهم بأنماط معيشية تناقض واجبهم التاريخي في مقاومة الاحتلال، في ظرف كذلك؛ أفضى إلى حالة من التجريف الوطني، وتحطيم المنابر النضالية.. استمدت الأجيال الجديدة، التي انقطعت عن الفعل الكفاحي، وعيها الوطني والنضالي من تلك الحرب، عبر مشهدية القتال المتلفزة، ورسائل المقاومة المصوّرة، وقد انعكس ذلك في سلسلة هبّات تميزت بعضها بكثافة العمليات المقاومة الفردية، واستمرارها بشكل أو بآخر، بالإضافة للفوز المتكرر للكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت.

أمّا المحطّة الثانية فهي جولة المواجهة الأخيرة، والتي لا تقلّ مفصلية وأهمية، وربما تفوق، حرب عام 2014، رغم محدوديتها حجمًا وزمنًا قياسًا إلى تلك الحرب، وذلك، وبالدرجة الأولى، لأنّها كسرت المعادلة الإسرائيلية التي ظلّ الاحتلال يعمل على تكريسها منذ فوز حماس في الانتخابات عام 2006، أي تلك المعادلة التي يريد بها أن تظلّ فاعليته الأمنية حاضرة دون قدرة للمقاومة على الردّ، وبما يكبح فعالية سلاح المقاومة، لا بما هو سلاح استنزافي فحسب، بل حتى في وظيفته الدفاعية، أراد الاحتلال تحويل سلاح المقاومة إلى عبء على الفلسطينيين، وأن يرسّخ في وعيهم أن سلاح المقاومة الذي لا يُستخدم في الدفاع عنهم هو سبب حصارهم!

تعزّزت هذه السياسة الإسرائيلية بعد حرب عام 2014، وظلّت تتعزز باطراد مع ازدياد شدّة الحصار، فكان الاحتلال يسعى دائمًا لتثبيت فاعليته الأمنية والعسكرية مهما كانت الظروف، حتى في أوضاع التهدئة ووقف إطلاق النار، مبتزًّا المقاومة في حساباتها الدقيقة التي لا تريد تدفيع الفلسطينيين الآن، وضمن موازين القوى القائمة، أثمان حرب جديدة، ولم تبرأ جراحهم بعد من الحرب السابقة، وهو ما سيفضى إلى تعجيز كامل للقطاع وتدمير تامّ لنموذجه، فهو محاصر ويتآكل اقتصاديًّا، وهو معطّل الفاعلية المقاومة، فكانت هذه من أكبر معضلات المقاومة في القطاع، والمنبثقة عن ثنائية الحكم والمقاومة.

لم تكن العملية الأمنية المعقّدة التي دفع فيها الاحتلال قوّة أمنية بالغة الحساسية إلى قلب غزّة، إلا ضمن هذه المعادلة الإسرائيلية، فمهما كانت أهدافها، أو تعلّقاتها بالحسابات الإسرائيلية الداخلية، فإنّها تندرج ضمن هذه المعادلة، معادلة أن يضع الاحتلال دائمًا بصماته الأخيرة قبل التهدئة، وأن يثبّت يده "يدًا عليا" تفرض ما تشاء على واقع قطاع غزّة، إلا أنّ هذه المعادلة، هذه المرّة تحطّمت، وهشّمت صورة الاحتلال، وقدرته التي يسميها "القدرة على الردع"، وباتت المقاومة بإرادتها ونضجها ووحدتها، تزاحم إرادته، بقوّة وفاعلية ونجاح مدهش، حتى باتت خيارات الاحتلال تجاه قطاع غزّة ضيقة، رغم أنّه هو الذي يحاصر القطاع، فلا هو يمتلك الإرادة لخوض حرب شاملة مع القطاع، ولا هو قادر على الاستمرار بالحصار كما هو الآن، وهذا العجز المشدود إلى طرفين متناقضين شكّل ثغرة للمقاومة دخلت منها لإدارة المعركة الأخيرة بنجاح لافت.

يمكن الحديث هنا باختصار عن المعالم التالية التي صاغت هذا الإنجاز الأخير: مراكمة قدرات المقاومة التي وصلت بها إلى امتلاك ما يمكنه أن يردع الاحتلال وأن توصل به رسائل مخيفة لاحتلال بات يخشى القتال، فهدوء المقاومة مقاومة، طالما أنّه بناء وإعداد وتصنيع وتهريب وتدريب وتخطيط، وهذا لا يكون إلا بالإيمان الصادق، المتجلي حقيقة خارجية في المعركة الأخيرة، وفي نموذج كالشهيد نور بركة.

ومن تلك المعالم، وحدة فصائل المقاومة في إطار غرفة العمليات المشتركة، والتصرف بمنطق الكبار، بتقديم الرؤية البصيرة والمصلحة العامّة على صغائر المنافسة الحزبية والاستعراضات المخرّبة، وكذلك من معالمها، الوعي السياسي الناضج، والأداء الإعلامي الذكي، وحتمًا كانت مسيرات العودة، واحدة من أهمّ المحطّات التي وصلت بالمقاومة إلى هذا الإنجاز.

لقد أحبطت المقاومة بيقظتها وجهوزيتها عملية أمنية حسّاسة للاحتلال، ثمّ حطّمت في هذه الجولة معادلته التي يدير إستراتيجيته تجاه قطاع غزّة لتثبيتها، وهذا لا يعني أن كبرياءه الجريح لن ينعكس مجدّدًا في عدوان آخر، لكنّه يعني أن عدوّ اليوم ليس هو عدوّ الأمس، وإذا كان الفلسطينيون بأدواتهم البسيطة ورغمًا من موازين القوى المتحالفة ضدّهم قد تمكّنوا من كسر معادلاته، كما في جولة غزّة الأخيرة، وجولة البوابات الإلكترونية في الأقصى العام المنصرم.. فهذا يعني أن عدوّنا في انحدار، وأنّه لا يلزمنا إلا القياس على هذه النماذج والإنجازات، لبناء النموذج الكفاحي العام في مواجهة هذا العدوّ.

--