إقرأ المزيد


​"الطرد الاقتصادي" سياسةٌ إسرائيلية لتهجير المقدسيين

حجازي الرشق (يساراً)
القدس المحتلة / غزة - رنا الشرافي

القدس تلك المدينة العتيقة، مهد الديانات وقبلة المسلمين الأولى، أيقونة النضال الفلسطيني، ومحط أطماع العالم، شهدت أصنافًا مختلفة من المستعمرين والمحتلين، وألوانًا من الحرية انتُزعت بعد معاناة فجاءت بنكهة النصر التي لا تُنسى.

وفي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للقدس على مدار العقود الماضية، ومواصلة سياساته العنصرية الممنهجة لطرد المقدسيين من مدينتهم وجعلها خالصة لليهود، يسعى الاحتلال إلى تضييق الخناق عليهم ودفعهم إلى الرحيل عن مدينتهم بشتى السبل، ومن بينها التضييق الاقتصادي على المواطن والتاجر الفلسطينيين، وهو ما سمّاه رئيس لجنة التجار المقدسيين "حجازي الرشق" طردًا اقتصاديًّا.

الطرد الاقتصادي للمقدسيين _لاسيما سكان البلدة القديمة_ هو محور حوار أجرته "فلسطين" مع الرشق، الذي بين لنا آليات وممارسات الاحتلال التي يسعى من ورائها إلى قهر التجار، ورفع الأسعار، وتقزيم القدرة الشرائية للمقدسيين.

بسبب الضرائب

في بادئ الأمر عزا الرشق ارتفاع الأسعار في المحال الفلسطينية مقارنة بالمحال الإسرائيلية في غربي القدس المحتلة، مع أن البضاعة هي نفسها ومن الشركات الإسرائيلية نفسها؛ إلى الضرائب والقيود المفروضة على التاجر الفلسطيني، التي تزيد عليه تكلفة استيراد ونقل البضاعة مقارنة بالتاجر الإسرائيلي.

وأشار إلى وجود منافسة شديدة وغير متكافئة بين السوق المقدسية والسوق الإسرائيلية في شقي المدينة، وأن عدم التكافؤ هذا يندرج على باقي مناحي الحياة فيها، مستعرضًا بعض الأمثلة كأجرة الشقق السكنية التي تراوح بين 700 و1200 دولار.

إضافة إلى ما سبق لفت إلى أشكال أخرى من "الطرد الاقتصادي"، ومنها ارتفاع رسوم المدارس الخاصة، التي تصل إلى نحو 6000 شيكل شهريًّا، فضلًا عن ارتفاع أسعار المواصلات، وارتفاع أسعار الكهرباء والماء، وكثرة الضرائب المفروضة على المقدسين دون غيرهم، خاصة دفع ضريبة عن مساحة المنزل.

وبين الرشق أن الضرائب المفروضة على البضائع التي يستوردها التجار المقدسيون تزيد سعر التكلفة، وكذلك الفحص الأمني ومدة مكوث البضاعة في الموانئ، إذ يضطر التاجر إلى دفع ما يسمى "أرضية"، وهذا ينطبق على البضائع المستوردة والبضائع الإسرائيلية.

أما بخصوص البضائع الفلسطينية فأكد الرشق أن كثرة التعقيدات المفروضة على استيرادها تدفع التجار إلى العزوف عنها، وكذلك الحال لدى المواطن العادي الذي يريد التبضع من الضفة نظرًا إلى انخفاض الأسعار مقارنة بالقدس.

وأفاد أن المنع يزداد تعقيدًا أكثر فأكثر على بعض الأصناف بعينها، مثل اللحوم بنوعيها الحمراء والبيضاء، والحليب، والبيض، قائلًا: "أحد أنواع الحليب المتوافرة في الضفة الغربية سعره مناسب، لكننا ممنوعون من استيراده، وهذا يجعل المقدسيين يقبلون على اشتراء الحليب الإسرائيلي مع ارتفاع سعره، نظرًا إلى عدم وجود بديل آخر فلسطينيي مطروح في السوق".

20 %فأكثر

وقدّر رئيس لجنة التجار المقدسيين فرق الأسعار بين المواد الغذائية المطروحة في المحال المقدسية ورديفتها المعروضة في المحال الإسرائيلية بأنه يزيد على 20%، مشيرًا إلى ضعف القوة الشرائية لدى المواطن المقدسي مقارنة بالفرد الإسرائيلي.

وحذّر من نزوح القوة الشرائية المقدسية إلى الجزء الغربي من المدينة، وهو هدف يسعى إليه الاحتلال منذ سنوات، على حد قوله، مبينًا أن المقدسيين بسبب التضييق عليهم وضعف الدخل يضطرون إلى اشتراء حاجياتهم من غربي المدينة، لأنها أقل سعرًا من المعروضة في البلدة القديمة بالقدس.

وعرج على ما تعيشه مدينة القدس المحتلة من حالة أمنية متدهورة، بسبب ممارسات الاحتلال الاستفزازية، ومحاولات المقدسيين للصمود فيها والدفاع عن مقدساتهم فيها، خاصة المسجد الأقصى.

أضاف: "الوضع غير مناسب أمنيًّا، وكثيرًا ما تغلق محال تجارية مقدسية أبوابها بسبب بيعها بالخسارة، حتى تؤدي ما عليها من التزامات بسبب الضرائب والقيود"، لافتًا إلى أن العام الماضي شهد إغلاق العديد من المحال التجارية المقدسة، فضلًا عن الإضرابات وأوامر الإغلاق التي تُفرض على المحال التجارية المقدسية، خاصة في منطقة شارع صلاح الدين.

المواطن ممنوع

وقال الرشق: "إن المواطن المقدسي العادي _وليس التجار فقط_ ممنوع من إدخال أي بضائع من الضفة إلى القدس المحتلة، بسبب الحواجز الإسرائيلية"، مشيرًا إلى أن من يضبط حاملًا كميات من اللحوم أو الملابس يخضع مصيره لمزاجية جنود الحاجز.

وتابع: "إما أن يعيدوه من حيث أتى، وإما أن يتلفوا مشترياته لو كانت مواد غذائية، أما لو كانت ملابس أو أحذية فيستدعى الشخص إلى الجمارك والضريبة لفتح ملف خاص به، وقد يفتحون له ملفًا جنائيًّا تحت بند "التهرب الضريبي"، ويوضع اسمه على لائحة المهربين، وإن كان مواطنًا عاديًّا لا تاجرًا، وربما يحاسب بأثر رجعي".

أضاف: "أما لو كان الاستيراد من الضفة من طريق شركات فيكون عبر معابر مخصصة، تبقى فيها البضائع يومًا أو أكثر، ما يعرض بعضها للتلف، خاصة المواد الغذائية، فضلًا عن عرضها على غرفة المواصفات والمقاييس، التي بسببها ترفض العديد من الأصناف المستوردة بحجة عدم مطابقتها للمواصفات الإسرائيلية".

وعدّ الرشق ما يواجهه المقدسيون المواطنون والتجار تنفيذًا لمخطط إسرائيلي لربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وجعله تابعًا له، وتضييق الخناق عليهم ودفعهم إلى ترك مدينتهم.

وأعرب عن أسفه لعدم طرح حلول لما يعانيه المقدسيون، على المستوى الرسمي الفلسطيني أو في عملية التسوية.

الغرفة المقدسية

وعن دور الغرفة التجارية المقدسية المهني إزاء هذا الموضوع قال الرشق: "الغرفة مغلقة منذ 16 عامًا بقرار سياسي، وكل ما يتعلق بالقدس اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا أو فنيًّا أو دينيًّا أو غير ذلك يخضع للقرار السياسي الإسرائيلي".

وأضاف: "نحن أعضاء مجلس الإدارة في الغرفة التجارية استدعينا وأرغمنا على توقيع تعهد بعدم مزاولة أي نشاط".

وبحسب رأي الرشق إن الاقتصاد المقدسي ينتقل من حلقة تدهور إلى حلقة أشد تدهورًا، وهكذا.

وبيّن أن هذا أدى إلى استنزاف مُقدّرات المقدسيين، خاصة داخل البلدة القديمة، وعزوفهم عن البيع والشراء في حالات عديدة، بسبب ما ألم بهم من خسائر متواصلة، وقد بلغت نسبة إغلاق المحال عام 2016م نحو 17 %.

وعدّ ذلك مؤشرًا خطيرًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية في المدينة المقدسة، التي تعاني نوعين من الطرد، هما: الطرد الجسدي بممارسات الهدم والمصادرة وغيرهما، والطرد الاقتصادي، على وفق قوله.

وفي ختام حديثه دعا السلطة الفلسطينية إلى وضع خطة إستراتيجية لتمكين المقدسيين المواطنين والتجار اقتصاديًّا ودعم صمودهم، وألا تنتظر مزيدًا من التردي لأن الوضع في القدس لم يعد يحتمل الانتظار، على حد تعبيره.