إقرأ المزيد


التقاعد الإجباري وخطره على الأمن القومي والاجتماعي؟

عماد الحديدي
أربعاء ٠٨ ١١ / ٢٠١٧

يفكر الستيني ألف مرة في اليوم الأول لتقاعده الوظيفي كيف سيبدأ؟ وكيف سينتهي؟ هل سيسير في شوارع المدينة ساعات الصباح الباكر ليراقب حركة الحياة وهي تدور! موظفون يتوجهون لأماكن عملهم بكل جد ونشاط وهو ما زال في جلبيته وعباءته ومتلفح بكوفيته الفلسطينية، لن يشارك زملاءه قهوة وفطور الصباح، لن يجلس على مكتبه بهمة ونشاط ليجيب عن الكتب المرسلة له والتي سيرسلها، لن يصلي الظهر جماعة بحرم عمله أو المسجد القريب منه، انتهت الجمعيات التعاونية التي كان يعقدها مع زملائه سنويا، ولم يمهله التفكير والشرود الذهني كثيرا سرعان ما يعود ليجد نفسه حائرا بين جدران بيته أو على كرسي منصوب أمام منزله مما يدخله في حالة من انفصام الشخصية، ويتساءل: أنا الذي كنت! فإذا بي أصبحت جسدا فوق كرسي لا قيمة لي فتبدأ الدموع تنساب من عينه تلقائيا وقد تدخله نوبات مرضية نفسية يصعب الخروج منها دون مساعدة الآخرين.


فكيف بنا ونحن أمام شباب الشعب الفلسطيني المتقاعد اجباريا، وهم في مقتبل أعمارهم ويحلمون بمستقبل واعد! فمنهم من يحلم ببيت يبنيه ليريحه من ثقل الايجار وينسيه ذلك الصوت الذي يزعجه مع مطلع كل شهر ليذكره بعبوديته لتلك الجدران التي تلتهم لحمه وتهدم سنين عمره قبل أن يتمتع بها، ومنهم من يحلم بزراعة طبية تدخل السرور على قلبه فيطرب أذنيه بسماع كلمة "بابا"، ومنهم من رسم مستقبلا زاهرا لأولاده فتراه يراكم القرش فوق القرش لينمو مع نمو أولاده سن التعليم الجامعي فيفتح حصالته لينفق على تعليمهم لعلهم يعوضونه سنين عمره، ومنهم من يعيل أسرة كبيرة ومعه والداه وبعض أخواته اللواتي فاتهم قطار الزوجية، ومنهم من يستدين فوق راتبه ليعالج طفله المريض بأمراض العصر المزمنة، وغيرهم من المستورين وراء راتب وظيفتهم الزهيد، وإذا بحكومتنا بدل أن ترفع رواتبهم وتحسنها , تقدم على ارتكاب أكبر مصيبة ومجزرة في التاريخ الحديث حيث تذبح عشرات الالاف من موظفيها بسكين قديمة صدئة تحت ما يسمى "التقاعد الإجباري" ليخرج معظمهم من دائرة المعقول، فما عدت تسمع إلا كلمات الحزن واليأس والاحباط من جهة وكلمات السخرية والاستهزاء والنكات المضحكة من جهة أخرى.


وأمام هذه المشاهد نقف نحن المثقفين لنحلل هذه الخطوة لنرى أثرها على الأمن القومي والاجتماعي، ومع تعريف الأمن القومي "مجموعة الإجراءات والتدابير التي تتخذها منظمة التحرير الفلسطينية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني في مواجهة تهديدات وتحديات داخلية أو خارجية بما يحقق الوصول للأهداف الوطنية في البقاء والحرية والاستقلال والعودة" نتساءل: أين هي منظمة التحرير مما يجري على أرض غزة من مجزرة التقاعد أم هي شريك في ذلك؟ أليس تبعات التقاعد تهديدا للأمن القومي؟ أليس تقاعد هؤلاء الموظفين يخدم الاحتلال ويحقق حلمه بتفريغ فلسطين من أهلها من خلال الهجرة القسرية التي سندفع أبناءنا دفعا وبأيدينا نحوها؟ أليس المس بالمواطن وقوته نقطة ضعف قد يدخل الاحتلال من خلالها لدائرته الشخصية؟ أين الروح الوطنية التي نزرعها في قلوب هؤلاء المتقاعدين؟ بل أين تلك الروح التي سيورثها هؤلاء لأبنائهم؟ من سيحمل هم القضية ومن الذي سيدافع عن الحلم الفلسطيني إذا قتلنا الروح المعنوية في قلوب هؤلاء الرجال وذويهم؟


وليس بعيدا فالأمن الاجتماعي هو " حالة الاطمئنان التي يشعر بها أفراد المجتمع ، الناتجة عن مساهمة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، في تفعيل جميع الاستراتيجيات، والإمكانيات، والممارسات التي تحقق للفرد الشعور بعدم الخوف في حاضره ومستقبله، وتسعى إلى حماية دينه، ونفسه، وعقله، وماله، وعرضه، وتؤكد له الاعتراف بوجوده ومكانته في المجتمع ، وتتيح له المشاركة الايجابية المجتمعية"، فأين هؤلاء المتقاعدون مما سبق؟ أين سيذهبون؟ ولمن يشكون؟ وقد حرموا من الوظيفة الحكومية ! فهل سيزاحم هؤلاء موظفي القطاع الخاص المتخم بالبطالة المقنعة؟ أم سينضمون إلى عشرات الالاف من العمال والخريجين العاطلين عن العمل؟ أم سنتركهم أسرى الطرقات والمقاهي والأرصفة؟ أم ندفعهم نحو الانزلاق والانحراف الاخلاقي نحو المخدرات والمسكرات والهلوسة ليقتلوا فراغهم المميت؟ أم نتلذذ بمحاكمتهم وعذاباتهم عندما يلجؤون إلى الجريمة ليوفروا قوت أولادهم ومتطلبات أسرهم الأساسية؟ أما يكفي أن التفكك الأسري وصل حدا خطيرا في مجتمعنا الفلسطيني، حيث بلغت عدد حالات الطلاق للعام 2016م (3188 ) حالة بنسبة (16.6%) إلى الزواج، فكيف بعد تقاعد أكثر من (14000) موظف إلى الآن والتلويح بـ (5000) جدد ماذا سيكون شكل الأمن الاجتماعي الفلسطيني؟


وأمام هذا كله ما الهدف الذي يكمن وراء هذه الخطوات القاتلة؟ هل هو توفير وظائف للخريجين والعمال؟؟ أليس هذا هو الفساد الإداري بأم عينيه؟؟ هل أصبحنا نعمل بأنصاف الحلول؟ فكيف سنأمن مجتمعا يقوم على السلم والأمان المجتمعي ونحن لا نوفر له الحد الأدنى من مستلزماته الحياتية وأقلها وظيفة ثابتة تحصنه من الانحرافين الاخلاقي والأمني؟ هل أرحنا الاحتلال لتتجمل صورته دوليا وقمنا بدوره في اشغال شبابنا في البحث عن قوتهم على حساب وطنهم وكرامتهم؟


إن حماية مجتمعنا الفلسطيني يا سادة تكمن بالحفاظ على مقومات بقائه على الأرض الفلسطينية من خلال توفير فرص عمل آمنة, يستطيع من خلالها سد احتياجاته (حقوقه) الأساسية في المسكن والملبس والمأكل والتعليم, ليستطيع الصمود فوق ترابه في ظل فرحته بإعادة لحمته التي مزقها الانقسام البغيض، ليدافع عن حقوقه التاريخية والسياسية وهويته الوطنية والثقافية والعودة لقدسه ومدنه وقراه التي هجر منها عنوة وتحت نيران المدافع والدبابات والطائرات الصهيونية، فلا تقتلوه مرتين، مرة بسكين الانقسام، ومرة بسكين المصالحة؟

مواضيع متعلقة: