​التنمية البشرية بين العلم والوهم

د. مؤمن عبد الواحد
الخميس ١١ ٠٤ / ٢٠١٩

تتباين الآراء بين مختصين وهواة بشأن حقيقة التنمية البشرية ومدى صدق الكلمات ومصداقية قائلها، وينقسم الناس إلى مؤيد ومتابع، وإلى متلق لتلك العلوم وباحث عنها وطرف آخر رافض لها، نافيًا كونها علمًا أصلًا بل هي محض متاجرة وبيع كلمات من منظومة وهم وخداع تسوق للشبان والفتيات.

أغمض عينيك، احلم أنك أسد، كررها، افتح عينيك، أنت أسد، كلمات رائعة وواقع ضبابي، وهم وكذب وحروف مضللة، ولكن يبقى السؤال: الخلل أين: في حقيقة التنمية أم في جهل مروجيها والمتاجرة في تقديمها في عالمنا العربي؟

الحقيقة -يا سادة- أن التنمية البشرية علمٌ وتخصص فريدان وممارسة ممتعة، إن مارسها متخصص متعلم، دارس بعمق تفاصيلها عارف بحاجات المجتمع وأفراده.

التنمية البشرية هي علمٌ يسعى إلى فهم كيف ولماذا يتغير الناس بكل فئاتهم العمرية وطبقاتهم المجتمعية، والإجابة عن تساؤل: لماذا يبقى الناس على حالهم داخل دوائر الألم والسكون مع مرور الوقت والسنين؟

بدايةً التنمية لغةً هي: الزيادة والتطوير، وهي في قاموس المعاني بمعنى: التغيرات الهيكلية كافة التي تحدث في المجتمع بأبعاده المختلفة من اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية وتنظيمية من أجل توفير الحياة الكريمة لجميع أفراد المجتمع.

وتعرف الأمم المتحدة علم التنمية البشرية بـأنها عملية توسيع القدرات التعليمية والخبرات للشعوب، بهدف وصول الإنسان بمجهوده ومجهود ذويه إلى مستوى مرتفع من الإنتاج والدخل وحياة طويلة وصحية أفضل وقدرات إنسانية أعلى.

التنمية البشرية في تجربتي الشخصية هي إعادة ضبط مصنعية الإنسان وإرجاعه إلى فطرته السليمة وبرمجته للخروج من أزماته أو تحقيق ذاته وطموحاته، وهي عمليّة تغيير موجَّه ومنظَّم للإنسان يهدف إلى زيادة معرفته بذاته أولًا، وبالبيئة المحيطة، ورفع مستوى أدائه بتطوير قدراته.

ومن أجمل ما قرأت عن مفاهيم وتعريف التنمية البشرية أنها توسيع خيارات الناس في التعامل مع المشكلات الحياتية والقضايا اليومية، مع إيجاد بدائل متعددة وخيارات مختلفة، وإكساب الناس مهارة ترتيب الأولويات لهدف وضعها وكتابتها بوضوح وإقناع.

التنمية البشرية تحفيز للثبات على الأهداف وأساليب للمضي قدمًا نحو تحقيقها بأنشطة متنوعة، لكن بمهارة فائقة.

التنمية دعوة إلى استثمار قدرات الأفراد وإنعاش الطاقة الكامنة داخلهم لتخرج مدوية لترفع درجة التحدي أمام الأزمات، ولتخلق واقعًا جديدًا، ونقطة انطلاق لمستقبل واعد في ظروف صعبة وحالة انهزام عامة.

شبابنا اليوم بحاجة إلى من يمد لهم يده وقلبه دعمًا ودعاءً ليخرجوا من حالة السكون، هم ليسوا بحاجة إلى من يصرخ عاليًا باكيًا حالهم، بل بحاجة إلى من يقضي لهم حوائجهم، نافضًا الغبار عن عيونهم، ليفتحوا أبواب المستقبل في قلوبهم.

وأشد ما أخشى أن مهاجمة هذا العلم وهذا التوجه في تعزيز الشباب وبناء قدراتهم واستثمار طاقاتهم تسعى إلى تدمير الأمة، واستمرار حالة الخراب والسكون لديهم.

حقيقة هناك من يتاجرون بالعلوم وقضايا الشباب، لكن ذلك مطلقًا لا يقدح في حقيقة العلم وأصوله، وبينما نحن نخوض صراعًا بشأن ضرورته وحاجتنا له جامعات أمريكية منذ سنين تمنح درجات علمية في التنمية البشرية؛ فكل الاحترام لمن يمتلك العلم والمعرفة، وعليهم كل الواجب أن يقتحموا المربع ليندحر دعاة الكلمة المهزومة ومروجو الدورات الهابطة من أصحاب العروض الفيسبوكية.

فالتنمية ليست دورة هنا أو هناك، وعشر شهادات بيوم واحد، يا سادة، أنا أتكلم عن علم ومبادئ وخطوات مدروسة، أتكلم عن مهارات ناعمة وحياتية، عن تفكير وتفكير نقدي، أتكلم عن مهاراتٍ تنقل الإنسان من مربع الصدمة والبكاء على الأطلال إلى مواجهة الصدمة والتعلم من التجربة ومسح آثارها السلبية.

صحيح أن سوق التدريب في عالمنا العربي بلا ضوابط، خاصة في المحتوى المقدم للمتدربين، لكن ذلك لا ينبغي أن يدفعنا إلى مربع إنكار علم تتنافس فيه شركات عالمية عظمى بشأن ترتيب تلك المهارات لدى الراغبين في العمل لديها: هل تضع مهارة الاتصال وحل المشكلات على رأس الأولويات أم في وسطها، وكذلك التفكير الإبداعي، والعالم اليوم يعد المهارات الناعمة تمثل 75% من المهارات اللازمة للحصول على فرصة عمل، مهما كان تخصصه، ونحن ما زلنا نسخر ونستهزئ بعلم ونشكك في صدقه، ومتى كان الحكم على العلم من المتعلم؟!، وهل مدعي الطب يسيء إلى علم الطب؟!، كثيرون هم الهدامون بأشكال مختلفة وأثواب مزركشة جميلة ألوانها.

الحقيقة -يا سادة- أن التنمية مصطلح رائع ومفهوم أروع، تحتاج له كل الشعوب، ويطبق اليوم في كل المجالات: اقتصادية واجتماعية وفكرية وسياسية، فلماذا لا تكون أيضًا التنمية بشرية؟، فالتنمية يجب أن تكون بشريةً أولًا، بل لا تنمية اقتصادية أو مالية أو غيرها دون تنمية فكرية عميقة للإنسان، وإعادة تأهيله ليقوم بدوره في تعزيز ركائز التنمية.

التنمية علم وطريقة ومجموعة أساليب تخرج الشباب من دوائر الألم والأنين إلى عالم العمل والتمكين، فكن -صديقي- معول بناء ووعي، متوازنًا في طرحك وحكمك.