إقرأ المزيد


الطليعة المقاوِمة في فلسطين تصنع مجد الأمة القادم

عبد الله العقاد
أحد ١٢ ٠٣ / ٢٠١٧

(1)

الشهيد باسل الأعرج قبل أن يغادر مشتبكًا مع قاتله كتب وصيته البليغة بدمه الطاهر، وأذاع بلاغه الأخير وهو يمتشق سلاحه (القلم والبندقية)، قائلًا: "أيها المحتلون، نحن أهل هذه الأرض وسادتها، وما أنتم إلا مارّون عابرون، أمّا أولئك المحتالون الذين تستخدمونهم (أدوات التنسيق الأمني) فإنّهم طارئون علينا، ولن يحولوا بيننا وبينكم، فالأيام دول".

أجل، لم تضف _يا باسل_ جديدًا إلى سجل المجد الذي سطّرته قوافل الشهداء على مذبح الحرية، غير أنك أكدت أنّ هذه الأرض لن يغيب عنها شعاع الحق، مهما تكاثف الضباب، وإن تضاءلت الرؤية وانحجبت عنّا الأشياء؛ فما إن تبزغ شمس الحقيقة حتى تنزوي أعمدة الضباب فترى الحسام شاهرًا ليصنع مجدًا وسلامًا.

(2)

وإنه للقدر الذي جعلنا سدنة المحراب، وسادة الحراب، عابدين قائمين، وأشداء مقاومين سواءً بسواء.

فإذا كان مجرمو أوروبا قد رمونا وأمتنا بشرّ وابلٍ من المكر؛ فإنّهم أوقدوا فينا نارًا من الثأر لا تنطفئ، يوم حقنوا أرضنا بهذه الجرثومة الخبيثة (إسرائيل)، ليحولوا دون وحدة الأمة وتماسكها، والحفاظ على كينونتها الثقافية والفكرية؛ لتكون الغائب الوحيد في مسرح الشهود الحضاري.

لمَ كل ذلك؟، لأنها وحدها من استطاعت أن تفتح بلاد الغرب وتصنع فيها حضارة مازالت شاهدة بمعالمها هناك، وما كان ذلك لولا أنّ أمتنا هي من تمتلك منظومة قيمية يمكنها أن تخضع بها الغرب كما أخضعت بها الشرق.

ولكنه خضوع استجابة وعلو بالحق، وليس استعلاء بالباطل أو إخضاع قهر واستبداد كما فعل الغاصبون الذي سموا أنفسهم المستعمرين، يوم اجتاحوا الديار فأهلكوا الحرث والنسل وأكثروا فيها الفساد.

(3)

غير أن إرادة الله الغالبة هي من جعلت من ضعف هذه الأمة قوة، ومن موتها حياة، لتتجلى في كل يوم هذه المكرمة الإلهية بهذه الطليعة المقاومة التي لم يفت في عضدها كيد الكائدين ولا مكر الماكرين شيئًا، بل ذلك جعلها أقوى شكيمة وأصدق عزمًا، "لا يضرها من عاداها ولا من خذلها".

فكلما زاد إجرام العدو بالحصار والبطش والاجتياحات وتوسع الاستيطان وتدنيسه للمقدسات ازدادت معه الطليعة المقاومة عنفوانًا، كامنًا فيها الموت الزؤام لعدوها، والحياة الكريمة لأمتها "حتى يأتي أمر الله".

فماذا كنت تنتظر من شعب حوصر في شِعب قطاع محدود بغزة لما يزيد على عشر سنوات؟!

لم يكن يُنتظر منه إلا من يخرج حافيًا بالي الثياب أشعث مغبرًا؛ ليرفع خرقة بيضاء مستسلمًا، بعد أن أسلمه القريب وأحجم عنه الحميم.

نعم، هذا ما كان المأمول أن ينتجه حصار ظالم تواطأ عليه العدو وسكت عنه الصديق إلا قليلًا منهم.

ولكن، بعد كل هذا الإجرام بالحصار والدمار والتهديد والوعيد الذي لم ينقطع تخرج الطليعة المقاومة في كل يوم بجديد.

فمرّة بتجارب صاروخية زيادة في المدى وقوة في التفجير ودقة في الإصابة، ومرة ثانية بطائرات مسيّرة بأنواعها استطلاعية ومقاتلة، ومرة أخرى استعراضات لقوات النخبة قادرة على الجوس في ديارنا المغتصبة، ومرة ما لم يخفه العدو من خشيته ضفادع بشرية تمخر في قلب البحر.

وغير ذلك المزيد مما تعدّه الطليعة المقاومة لتباغت به المحتلين يوم تسول لهم بنا أنفسهم شرًّا.

(4)

وإنه لا ريب أنّ معركة الإعداد المتواصل لهذه الطليعة المؤمنة، بما تنتجه من مُعدّات وعُدد، ومن تزيد في تدريبهم من الأبطال الذين يتقاطرون على مواقع صناعة الأبطال في كل يوم بل على مدار الساعة؛ لم تخل من رواد يأتونها طامعين بشهادة ونصر مبين، وطامحين لأمتهم ببنيان مجد تليد، لتخلع قلوب الغاصبين، وتزيد من حنق المتآمرين الحاسدين.

فنجد أن إعلام الصهاينة في كل يوم يزيد من منسوب الخشية في أوساطه مما تمتلكه المقاومة من بأس شديد، وأنّها لربما لا تنتظر أن يباغتها جيشه المهزوم بضربة أولى استباقية، وقد وجد المحتلون منها عزمًا يوم اقتحمت مواقعه العسكرية المنيعة وأجهزت على كل من فيها (ناحل عوز) وعادت بسلامة غانمة.

لذلك نجد العابثين الذين لا تندفع عنهم شبهة التحريك بأصابع مشوهة، أو التحرك بأيد مأجورة يقومون بأعمال لا معنى لها وخارج سياق الإجماع الوطني، إلا ما يكون منها من التعكير على الطليعة المقاومة برامجها في التدريب والتجهيز والإعداد المستمر.

وهذا ما وجد فيه المحتلون الماكرون الذريعة لضرب معدّات المقاومة الغالية التكلفة، أو ما يصنفها العدو بالأهداف الإستراتيجية التي تمس بنية تجهيزات المقاومة.

وقد تناغم الاحتلال وهذه الأفعال النشاز الخارجة على الإجماع الوطني ليجعل منها معادلة جديدة، غير أنه انتهزها فرصة لضرب أهداف للطليعة المقاومة بلا ثمن يدفعه.

(5)

غير أن هذه المعادلة (ضرب أهداف للمقاومة بلا ثمن) لم يستطع العدو أن يُقررها في حربٍ استمرت واحدًا وخمسين يومًا سجلت المقاومة فيها نقاطًا عديدة عليه.

وإنّ الطليعة المقاومة لم تجعل _ولن تجعل_ له من أفعالٍ طائشة وأخرى مشبوهة ما يمكن أن يفرض بها معادلة جديدة تحكم الجبهة المفتوحة معه، إلا ما يكون من تهدئة مشروطة.

لذلك كان رد المقاومة على لسان ناطقها قويًّا بليغًا فهمه الاحتلال، كما فهم رسالة الشهيد باسل الأعرج.

لكن، هل سيفقهها غلمان التصعيد الفاضي هنا وغليمة التنسيق الأمني هناك؟!، لاشك أن المأجورين ليس مطلوبًا منهم أن يفقهوا، لأنهم مجرد أدوات فعل تجزم الأفعال أو تنصبها فقط، أم أنّ أسيادهم سيوقفونهم يوم يجدون أن أفعال صبيانهم ستؤول عليهم نارًا، أو أنهم من يسددون من أثمانها، وليس المقاومة وحدها؟، عندئذ سيكفونهم ويكفينا الله شرهم.