إقرأ المزيد


​الطلبة المُغتربون.. التجربة تبدد وهم "الحياة الوردية"

غزة - نسمة حمتو

كثير من الطلبة في غزة بعد إنهائهم دراسة الثانوية العامة أو البكالوريوس يفكرون في السفر للدراسة، وقد يعتقد بعض أن الحياة في الخارج وردية وخالية من الصعوبات، لكن من يجد الفرصة للسفر يُفاجأ بالكثير من المشاكل التي تواجهه، خاصة في بداية غربته، وبعد مدة تعينه الخبرة على التأقلم مع البلد الذي توجه إليه.

"فلسطين" سألت عددًا من الطلبة المغتربين عن مشاكلهم، وما فاجأهم به الواقع.

استثمار الفرص

عبير لبد (29 عامًا) طالبةٌ من غزة تدرس الدكتوراة في تركيا، قالت: "وضع طلاب غزة يختلف دومًا عن باقي الطلبة، فتميزهم وإبداعهم والفرص المتاحة أمامهم، كل ذلك يصطدم دائمًا بمعبر رفح".

وبينت لـ"فلسطين" أن خروجها من غزة كان مغامرة كبيرة، لإيمانها بأن "الحياة مغامرة، وإذا لم تستثمر الفرص المتاحة أمامك فلن تعيش الحياة"، متابعة: "تخليت عن عملي في أكثر من جامعة، لكي أستثمر الفرصة، ولرغبتي بالتعرف إلى العالم خارج حدود القطاع، علاوة على تحقيق حلمي الذي لازمني منذ صغري بأن أحصل على درجة الدكتوراة".

وأضافت: "بعد ثلاثة أيام من المعاناة في المعبر ووصولي إلى تركيا كانت المفاجأة في اللغة، فأنا لا أعرف شيئًا عن اللغة التركية، وقلّة قليلة من الأتراك فقط يتحدثون الإنجليزية"، مواصلة: "لا أزال أعاني حتى اليوم فيما يتعلق باللغة، خاصة أن التركية تعتمد كليًّا على اللفظ، وفي حال تغير اللفظ يتغير المعنى".

وأكملت لبد: "أما فيما يتعلق بالناحية التعليمية فأنا درست البكالوريوس والماجستير في غزة، وحاليًّا أدرس الدكتوراة في تركيا، ولم ألحظ اختلافًا في طريقة التعليم ومستواه، فهو قريب جدًّا من التعليم في غزة، ولكن الإمكانات هنا أكثر تقدما".

وعن الاستقرار في الغربة قالت: "أقيم في سكن الطالبات، وهذا وفر عليّ الكثير من الصعوبات، ولكن بعض الشباب هنا يسكنون في بيوت مُستأجَرة، ما يشكل عبئًا عليهم، إضافة إلى تحملهم نفقات تابعة للإيجار مثل الكهرباء والمياه والخدمات".

وبحسب ما ذكرت لبد وجدت تشابهًا في الثقافة بين ما ألفته في غزة، وما رأته في تركيا، ذلك لأن فلسطين كانت تحت الحكم العثماني مدة طويلة.

رفقة السكن

أما الطالب محمد أبو هاشم (24 عامًا) فهو مع حرصه الشديد على تعلّم كل ما هو جديد في جمهورية مصر التي اتخذها وجهة له لدراسة الطب اصطدم بالواقع، قال: "غالبًا ما يكون سفر الطالب الغزي هو الأول بعد 18 عامًا عاشها في غزة لم يتعرف خلالها إلى العالم الخارجي، وهذا ما يجعله يصطدم بالمجتمع الذي لا يعرف عنه شيئًا".

وأضاف لـ"فلسطين": "الطالب الفلسطيني في مصر يواجه مشكلة عدم اهتمام السفارة الفلسطينية بالطلبة".

في أول عام من الغربة يجد الطالب صعوبة كبيرة في التعرف إلى أصدقاء يستطيع العيش معهم في المنزل نفسه، بحسب ما ذكر أبو هاشم، ومن لا يُوفّق في اختيار رفقة السكن يعاني كثيرًا وتزيد صعوبات الغربة عليه، ويضطر إلى الاستمرار في البحث حتى يجد من يتفاهم معهم.

ولفت إلى مشكلة أخرى، وهي وقوع الطالب ضحية لعمليات نصب، قال: "بعض ينظر إلى كل عربي وافد للتعلم على أنه عن كنز، فيتفنن في أساليب النصب على الطلبة، وهذا الفخ يقع فيه الطلبة الجدد تحديدًا، لعدم وجود الخبرة الكافية لديهم لكشف النصب قبل حدوثه".

أما "الإقامة" فهي أكبر أزمة يعيش فيها الطالب، كما وصفها أبو هاشم، متابعًا: "لكي يعيش الفلسطيني في مصر يجب أن يحصل على إقامة، وذلك عندما يحصل على قبول في الجامعة، ويجب تجديدها سنويًّا، الموضوع قد يكون سهلًا في المدن الكبرى، ولكن في مدن أو قرى أخرى يواجه الطلاب صعوبة".

وأكمل: "تجديد الإقامة يترك أثرًا نفسيًّا سيئًا عندي، بسبب المسافات التي أقطعها لإتمام الإجراءات".

وبيّن أبو هاشم أن ما يُفاقم الأمر سوءًا أن هذه المعاناة لا يرافقها تفوق عملي لمن يتخرج في الجامعات المصرية، لأن المنهاج يحتاج لتحديث وتطوير.

ولفت إلى أن المعبر يمثل المشكلة الأبرز للطلبة الغزيين الذين يقضون عدة سنوات دون التقاء أهلهم في القطاع، مضيفًا: "منذ أربع سنوات لم أدخل غزة، خوفًا من عدم قدرتي على العودة لإكمال الدراسة".

ومع كل الصعوبات قال أبو هاشم: "الغربة أعطتني وجهًا آخر للحياة، فهي تدخلت في كل تفاصيل تشكيل شخصيتي، وكان تدخلها إيجابيًّا، ومع أن الغربة أعطتنا أيامًا مرة سأختارها مجددًا لو عاد بي الزمن".

أعباء مالية

ولم يختلف الحال كثيرًا عند الطالب نوح إسماعيل (24 عامًا)، فهو حصل على منحة لدراسة الطب في تونس، بعد حصوله على معدل مرتفع في الثانوية العامة، وبعد سفره لدراسة الطب هناك تفاجأ بأن توقعاته للمنحة غير صحيحة، وأن عليه تحمل الكثير من التكاليف المادية.

وقال إسماعيل لـ"فلسطين": "النظام الدراسي هو أصعب ما واجهته، فالدراسة باللغة الفرنسية، وحساب المعدل الدراسي يختلف عما عهدته في غزة، أيضًا الامتحانات كثيرة، في وقت ضيق جدًّا، ويبرر الأساتذة ذلك بأن الطبيب يجب أن يتصرف جيدًا في وقت قصير".

إضافة إلى صعوبة الدراسة في تونس كان إسماعيل يعاني كثيرًا من مشكلة اللغة، إذ عليه أن يتقن الفرنسية ليكمل دراسته، ولم يكن يعرف عن هذه اللغة شيئًا.

ومن أوجه المعاناة الأخرى الحصول على الإقامة، وارتفاع تكاليف المعيشة في تونس، خاصة الإيجار.

أضاف: "التأقلم مع الحياة هنا صعب جدًّا، ولكن اجتزت هذا الأمر بفضل تعاون بعض الشباب الفلسطينيين الذين يساعدون الطلبة الجدد كثيرًا، أيضًا لدي أصدقاء تونسيون يساعدونني".

وأكد إسماعيل أن مسئولية الطالب الفلسطيني في تونس تجاه نفسه كبيرة جدًّا، يجب أن يتعب كثيرًا كي يحصل على ما يريد، ويكمل دراسته، وحتى لا يخيب آمال الأهل الذين ضحوا بكل شيء لأجل دراسته.

مواضيع متعلقة: