​التحديات الاستراتيجية بعد المصالحة

الأسير عبد الناصر عيسى
إثنين ٠٦ ١١ / ٢٠١٧

فرضت المصالحة موضوعيا بيئة استراتيجية جديدة على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، فاستلام حكومة التوافق مسؤولياتها في المعابر والوزارات، وتزايد الدور المصري في القضية الفلسطينية بشكل عام وفي غزة بشكل خاص، خلق واقعا استراتيجيا جديدا يتطلب من المقاومة تغييرا معينا في أساليبها وتكتيكاتها، ضمن استراتيجية دفاعية لا هجومية، مدروسة ومتفق عليها قدر الإمكان، وتسمح بالتكيف مع الواقع الجديد على أساس ضمان استمرار تعاظم وتطوير قدراتها دون تعارض، بل خدمة لأهدافها السياسية المرحلية في تعزيز المصالحة ونحو الوحدة الوطنية لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني المشروعة كما جاءت في وثيقة الوفاق الوطني 2007.

ملامح التغير في البيئة الاستراتيجية والردود عليها

أولا: إن أحد أهم ملامح هذا التغير في البيئة الاستراتيجية هو الجرأة "الإسرائيلية" في التصعيد العسكري، كما ظهر فعلا بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال اللواء أبو نعيم، وطريقة تدمير نفق خان يونس، حيث لم تعبأ باحتماليات ارتفاع عدد القتلى والمصابين، وأقدمت على التدمير دون سابق إنذار مباشر كما فعلت سابقا.

إن التفسير الوحيد لهذه الجرأة هو التقدير "الإسرائيلي" الصحيح على الأرجح أن قدرة المقاومة على الرد، وبسبب التغير السابق الذكر هي قدرة محدودة، بسبب كوابح مصر وحكومة التوافق المتوقعة والمرافقة لعملية المصالحة الضرورية.

بمعنى آخر فطالما وجدت هذه الكوابح المتينة يرى "الإسرائيلي" أنه لا بأس، بل لابد من زيادة الضغط على دواسة البنزين، فالتوقف سيكون في اللحظة المناسبة، ولن تقف المنطقة أمام تدهور أمني كبير، وهذا يعني أفضلية "إسرائيلية" في تعزيز قدراتها في التحكم بالتصعيد مما يتلاءم مع نظرية الأمن "الإسرائيلي".

جواب المقاومة:

إزاء هذا التهديد الجديد فمن المتوقع أن تجد المقاومة طريقة للاستجابة والرد على هذا الأمر، وهنا لابد من الإشارة أنه كلما مر الوقت وتعمقت المصالحة؛ فإن قدرة المقاومة على التأقلم مع هذه البيئة الجديدة بما تحمله من تحديات وتهديدات جديدة سيرتفع، ولن يتجه على الأرجح تجاه استمرار ضبط النفس، بل ردود ذات طبيعة رادعة ومحدودة وثورية دون تأخير للسماح بعوامل الكبح الجديدة للعمل تجاه طرفي التصعيد، مما يضمن بناء صيغة تدفيع الثمن للطرف المبادر دون التدهور لحرب واسعة لا يريدها أي من الأطراف في هذه المرحلة.

إن تأقلم المقاومة تجاه بناء رد ذي ملامح محدودة ومباشرة يتطلب تطوير أدواتها، والتأهب والاستعداد المستمرين لأي اختراق أو مبادرة إسرائيلية متوقعة في المستقبل.

ثانيا: يقود ما سبق للإشارة إلى الملمح الثاني من تغيير البيئة الاستراتيجية التي تعمل فيها المقاومة، ويحمل في طياته تهديدا جديدا على شكل انتقال زمام المبادرة وبشكل أكبر من ذي قبل للجيش "الإسرائيلي"، وستكون هذه المبادرة من خلال استمرار انتقاء وضرب أهداف مختلفة كشخصيات مقاومة، والأنفاق العابرة للحدود والتوغلات المحدودة وتحت ذرائع ومبررات متعددة، وبوسائل تكنولوجية أكثر تطورا كما ظهر في تدمير النفق، وضمن قدرة أعلى على تجنيد مصادر معلومات مما كان عليه الأمر قبل المصالحة، ضمن استراتيجية إدارة الصراع المترافقة مع نوع من الاستنزاف، التي لم تثبت نجاحها في السابق، بحيث لم تمنع المقاومة من الاستمرار في تطوير وتعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية، أو التخلي عن أهدافها الاستراتيجية السياسية.

  • جواب المقاومة:
  • المقاومة في ظل المصالحة لن تبادر على الأرجح بالتصعيد، لذا فجوابها على هذا التحدي الجديد سيعتمد بالدرجة الأولى على الاستمرار بحالة التأهب والاستعداد لأي تصعيد محتمل، وعلى مدى قدرتها في تنفيذ ردها على التحدي الأول، أي النجاح في تنفيذ رد رادع ومحدود وثوري دون تأخير، ويتوقع أن تطور المقاومة قدراتها في مجال الإنذار المبكر المعتمد على الاستخبارات المسبقة، والحراسات المشددة، وتعزيز قدرات التمويه والاختفاء والخداع، مما يضعف قدرة العدو على المبادرة، ويمنع حدوث عنصر المفاجأة.

    ثالثا: هذا الملمح سيكون على الأرجح لصالح المقاومة، ويتمثل بزيادة قدرتها على التعاظم والتجهيز والتطوير، حيث ستسمح المصالحة للمقاومة بتركيز كل جهودها ومواردها وإمكاناتها المادية والبشرية باتجاه التعاظم، لكن التحدي أمامها سيكون تزايد الإصرار الإسرائيلي على وقف هذا التعاظم كما يحدث حاليا تجاه حزب الله، حيث نالت شرعية دولية تسمح لها بضرب أهداف في سوريا ولبنان بحجة عدم السماح بتعاظمه بامتلاكه لنوعيات متطورة من السلاح الدقيق.

    تجدر الإشارة أن أصواتا متزايدة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشكك في نجاحها بأهدافها تلك، فلماذا تستمر في أعمالها هذه، قد يكون لأسباب داخلية واعتبارات دولية واستراتيجية أخرى.

    باختصار يمكن القول إن المصالحة خلقت بيئة استراتيجية جديدة تعمل باتجاهين:

    1- اتجاه سلبي: بزيادة القيود على ردود المقاومة على الاعتداءات الإسرائيلية، كما زادت من قدرة الجيش الإسرائيلي على أخذ زمام المبادرة.

    2- اتجاه إيجابي: بزيادة قدرة المقاومة على التعاظم وتطوير نفسها، مما قد يسمح لها بالاستجابة بشكل أفضل مع التحديات بشكل عام، وتحديات الاتجاه السلبي سالف الذكر.