​الثائرون الصغار للاحتلال: "قالها جيفارا.. لن تقتلَ سوى رجل"

تصوير / ياسر فتحي
خزاعة - رنا الشرافي

تقدمت نحو السياج "الزائل"، فهنا تبدو فلسطين المحتلة عام 1948 أقرب وأقرب، تلك المساحات الخضراء لي، وهذا الزرع بَذَره أجدادي، وقبل أن يحصدوه، هجّرهم الاحتلال الإسرائيلي.

هذا الجندي غاصب، وتلك البندقية في يديه حصدت عشرات الأرجل والأذرع، حصدت عشرات الأرواح، أما تلك الدبابة اللعينة، فمن فوهتها ينطلق الويل، وبسببها هُدمت عشرات المنازل فوق أصحابها الذين أمضوا عمرًا في بنائها علها تسترهم حتى يُؤذّن لهم بالعودة.

عائدون

بينها وبين الجنود عشرات الأمتار، والبنادق مصوبة نحوها، وهي لا تزال تتقدم وتلوح بيدها "إنّا عائدون".

فتاةٌ فلسطينية في مقتل العمر، لم يسعفنا الحدث لمعرفة اسمها، لكن فعلها طغى على اسمها كما طغى على الهوية الثائرة التي تتصف بها الفتاة الفلسطينية، والتي كانت حاضرة وبقوة في مسيرات العودة الكبرى وفي انتفاضات الضفة الغربية، وفي الأسر، وفي كل خطوة من خطوات النضال الفلسطيني.

لعل اسمها "عهد" أو "صمود" أو "تحرير" ولربما "بيسان" أو "عودة"، وقد يكون اسمها "فلسطين"، فهذه الأسماء امتشقها الفلسطينيون وغرسوها في منازلهم إحياء لذكرى فلسطين التاريخية المحتلة لتبقى خالدة في الذاكرة.

رشقات من الرصاص الإسرائيلي اكتسحت المكان، هبط كل من فيه من الشبان المتظاهرين على الأرض.. بعضهم احتمى بما أبرزته الأرض من هضاب صغيرة وأعشاب، وبعضهم الآخر احتمى بشجيرة هي الوحيدة التي قاومت تجريف الاحتلال لتلك المساحات القريبة من السياج الفاصل.. وكل ذلك حصل بينما بقيت تلك الفلسطينية الثائرة الصغيرة وحيدة أمام كيل الرصاص المتفجر.. ولكن "هيهات منّا الذّل".

أربعة شبان في ربيع العمر أيضًا، يبدو من ملامحهم أنهم لم يتجاوزوا السابعة عشرة، تربوا على حب الأرض وحماية العرض، لم يفكروا برصاص الغدر الذي يطير من فوق رؤوسهم، ولم يفكروا بإصابة موجعة قد تنزع حياتهم، ولم يفكروا سوى بسلام تلك الفلسطينية.

درع بشرية

هبّ الثائرون الصغار لحماية تلك الصغيرة الثائرة، فالتفوا حولها مثل الهلال، وتشابكت أصابعهم لتمنع الريح والويل والأذى من التسلسل إلى الفتاة، التفوا حولها ليشكلوا درعًا بشرية واقية من رصاص اثنين من قناصة الاحتلال يرصدانهم، كما يظهر في الصورة.

وبينما لا يزال قناصة الاحتلال الإسرائيلي يستهدفون المكان من كل حدب وصوب بسيل من زخات الرصاص المتواصل، وباقي المتظاهرين مختبئون من الرصاص، ركض الشبان على هيأتهم التي شكلوها (هلال) في مقدمته تلك الفتاة، واتجهوا نحو التجمع الأكبر للمتظاهرين لعله يحمل لهم بعض الأمان.

لحظات من الصمت المطبق لا تسمع فيها إلا صوت الرصاص القاتل، والعيون تحملق بهذا المشهد الفلسطيني الخالص، وهذه النخوة الطفولية التي في فعلها سبقت أفعال الرجال، وفي رسالتها كانت أبلغ من ألف رصاصة.

هؤلاء أطفال ترعرعوا على ذكرى يوم الأرض وذكرى النكبة، وذكرى النكسة، وحب الأرض، وحق العودة لوطن مسلوب ترابه يمتد من البحر إلى النهر.. هؤلاء لن يقبلوا بتفاوض على فلسطين ولا تنازل عن شبرٍ منها.

هؤلاء الشبان الصغار لم يقبلوا أن تصاب حُرة، وقدموا أرواحهم فداء لثائرة تجوب الأرض لتقول للمحتل أنا باقية هنا ولن أغادر حتى أعود لوطن لم ألتقيه يومًا ولم أشمّ ريحه.. فقط سمعت عنه من جدي وأحببته لدرجة أن أبذل حياتي لمجرد محاولتي المرور إليه.

"مستحيل ينسون"

هذا الجيل الذي ينبض قلبه حبًا لفلسطين كيف يمكن أن يعود عن حق العودة، أو يقبل التوطين؟ وكيف يمكن لهذا الجيل أن ينسى والده الشهيد أو شقيقه الشهيد أو والدته الشهيدة؟ كيف يمكن لهذا الجيل أن يقبل "سلامًا" مع الاحتلال الإسرائيلي.

توزع الفتية بمجرد وصولهم إلى نقطة ظنوا أن يجدوا فيها الأمان، وقد لا يلتقون ثانية بعد تلك الصورة التي التقطها مصور صحيفة "فلسطين"، لكن هذه الصورة سوف تبقى خالدة في الذاكرة الفلسطينية وسيخلدها التاريخ الفلسطيني، ليقول لـ"جولدا مائير": "أولادنا رضعوا حب الوطن.. وأولادنا مستحيل ينسون".

وليس هذا فحسب، بل إن هذا الجيل آمن بما آمن به عرّابة الثورة ضد الاحتلال في التاريخ المعاصر الثوري الكوبي تشي جيفارا، والذي سأله الجلاد قبيل إعدامه عما إذا كان يفكر في حياته والخلود، فأجاب: "لا، أنا أفكر في خلود الثورة.. أعلم أنك جئت لقتلي، أطلق النار يا جبان إنك لن تقتل سوى رجل"، وهو تمامًا ما قام به الفتية الأربعة الذين ضحوا بأنفسهم لحماية تلك الثائرة، وهم على يقين بأن موتهم شهداء لن يقتل الثورة الفلسطينية.