​مساع لتحويل منزل الأسرة إلى "متحف"

الطفل الناجي من محرقة دوابشة: سأكون محاميًا لأقاضي (إسرائيل)

صورة أرشيفية
نابلس-غزة/ خضر عبد العال:

بعدما أسدل الليل ستاره في 31 تموز (يوليو) 2015م، تسلل خفافيش الظلام من عصابات ما تسمى "تدفيع الثمن" التابعة للمستوطنين إلى قرية دوما جنوب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، قاصدين حرق منزل عائلة دوابشة، في جريمة جديدة بحق الفلسطينيين.

أدت الجريمة إلى استشهاد الأب سعد، والأم رهام، والرضيع علي، وكان الناجي الوحيد من هذه الجريمة الطفل أحمد.

رجع أحمد الذي أطفأ شمعة عامه التاسع في 19 تموز (يوليو) الماضي بذاكرته إلى يوم المحرقة، قائلًا لصحيفة "فلسطين": "ما أذكره جيدًا أنني شاهدت أبي وأمي وأخي الطفل علي والمنزل يحترقون أمام عيني، اختبأت خلف أريكة، وصرت أصرخ: أنقذونا، أنقذونا".

ومع كثافة الدخان والنيران المشتعلة لم يشعر الطفل أحمد بأنه احترق كباقي عائلته، حتى فقد وعيه، وفي تلك الأثناء كانت محاولات إنقاذه أمرًا مستحيلًا، لكن رعاية الله كانت فوق كل شيء.

أنهى أحمد الصف الثالث الابتدائي بتقدير امتياز، فهو يحب الدراسة كثيرًا، وفي الإجازة الصيفية يتدرب على رياضة ركوب الخيل والفروسية، والسباحة، فضلًا عن أنه مغرم ومولع بكرة القدم.

ويضيف: "لم تؤثر ولن تؤثر في شخصيتي الإصابة بالحروق، وبفضل الله فزت بجائزة في مسابقة ركوب الخيل عقدت أخيرًا في مدينة نابلس".

"لا أقبل معاملتي معاملة خاصة لكوني احترقت ويظهر على جسدي بعض آثار الحريق، أنا إنسان لا يوجد لدي أي نقص، صحيح أنني فقدت أذني اليمنى، لكني سأزرع مكانها بعد سن السادسة عشرة كما قال الأطباء" يتابع أحمد.

وكان أحمد بعد تعافيه من الحروق يتردد في ارتداء "التيشيرت"، و"الشورت" حتى لا تظهر آثار الحريق في جسمه، لكنه اليوم بات مختلفًا تمامًا؛ فلا خجل من إظهار تلك الآثار، وكأنه يقول للعالم: "هذه آثار جريمة الاحتلال الذي أحرق عائلتي، ستظل لعنة تطارده في كل مكان".

ويفكر أحمد مستقبلًا إما بدراسة تخصص "القانون الدولي" ليصبح محاميًا من أجل محاكمة قادة الاحتلال المجرمين على جرائمهم بحق الشعب الفلسطيني، أو "طب الحروق" من أجل مداواة الفلسطينيين الذين يحصل لهم مثل تلك الحادثة.

نصر دوابشة عم الطفل أحمد يقول عنه: "أحمد الناجي الوحيد من جريمة المستوطنين سيصبح رجلًا في جسد طفل، إذ إنه يدرك تمامًا ما حدث لعائلته، لكونه عاش المحرقة كاملةً، ولا يفارق ذاكرته نهائيًّا مشهد النيران في منزلهم، ليبقى شاهدًا على جرائم الاحتلال بحق عائلته خصوصًا، والشعب الفلسطيني عمومًا".

يتابع دوابشة (العم) لصحيفة "فلسطين": "تمر علينا ذكرى الجريمة تتلوها أخرى وما زلنا مستمرين في معركة ثبات ووجود مع هذا الاحتلال، وما زال شعبنا مستهدفًا من اعتداءات المستوطنين المتواصلة".

ويوضح أن العائلة ما تزال في مواجهة محاكم الاحتلال، إذ يوجد لدى الأخير مخطط مدروس لإطالة أمد المحاكمة لعدة أهداف، أبرزها منع العائلة من التوجه للقضاء الدولي، لأن الأخير لا يستقبل أي قضية مرفوعة في محكمة بلد ما، إلا بعدما تنتهي القضية من تلك المحكمة.

متحف

ويبين أن الاحتلال يدرك أن العائلة لن تقبل أي أحكام من قضائه، خصوصًا أنه برأ 16 من المتهمين من أصل 17، وبقي شخص واحد، هو "عمران بن أرئيل" الذي مثل الجريمة واعترف باقترافها، وعندما شاهد كيف برئ زملاؤه بات ينكر ويدعي أنه اعترف تحت التعذيب والضغط.

ويتابع: "أربع سنوات مضت في محاكم الاحتلال، وهي أطول محاكمة في تاريخ قضاء الاحتلال، وقد تستمر أكثر من ذلك، الأمر الذي يستنزف العائلة ماديًّا وعاطفيًّا، خصوصًا أننا نلقى أمام المحكمة مضايقات من المستوطنين، ويحاولون الاعتداء علينا ويرفعون شعارات التهجم على الفلسطينيين، ويتفاخرون أنهم قتلوا عائلة دوابشة أمام مبنى المحكمة المركزية بمدينة اللد المحتلة".

ونادى نشطاء بعدم ترميم بيت عائلة دوابشة المحترق، مطالبين بتحويله إلى متحف.

وفي هذا السياق، كتبت الصحفية نائلة خليل في ذكرى المحرقة: "لا ترمموا بيت سعد دوابشة، لا تطمسوا الجريمة، حولوا البيت إلى مزار لكل فلسطيني ودبلوماسي وإنسان في هذا العالم".

وعن ذلك يقول العم دوابشة: "إن رئيس الحكومة السابق في رام الله رامي الحمد لله حضر للبيت في ثاني أيام الجريمة، وأعلن تمويل ترميم البيت، لكن رد العائلة كان: (لا نريد ترميم البيت، ونتبرع بالبيت وقطعة الأرض لمصلحة الشعب الفلسطيني لإنشاء متحف الشهيد علي دوابشة)".

ونفذت العائلة كل الإجراءات المطلوبة وقدمتها للحكومة في رام الله، لكنها لم تحصل على تمويل من أجل ذلك، ثم نقلت الملف إلى مؤسسة "تيكا" التركية التي وعدت قبل نحو سبعة أشهر بإنشاء المتحف.

وأكمل حديثه: "نحن في العائلة لم نيأس، ولدينا أمل أنه سيكون في القريب متحف وسيبقى شاهدًا على جرائم الاحتلال بحق الطفل علي وعائلته، ونستقبل الوفود الأجنبية وأي شخص يأتي لزيارة المنزل بقرية دوما".