​التعارض الظاهر بين الأحاديث النبوية.. كيف نفهمه؟

غزة - هدى الدلو

أحيانا، يحدث لبس في فهم بعض الأحاديث، عندما يبدو لنا وجود تعارض بين معانيها، قبل أن نفهم المقصود بها تماما، ومن أمثلة ذلك، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار"، وقوله في حديث آخر: "إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ"، فكيف نوفق بين الحديثين؟ وكيف يكون القاضي في النار وفق الحديث الأول، وفي الحديث الثاني يكون مُطالب بالاجتهاد في حكمه، ويؤجر على اجتهاده؟

التعارض الظاهر بين بعض الأحاديث هو ما نتحدث عنه في السياق التالي:

الجمع مُقدّم

قال الداعية الإسلامي الدكتور عبد الباري خلة: "القاعدة أن الجمع بين النصوص أولى ما لم يتعذر الجمع، والجمع مقدَّم على الترجيح، والإعمال أولى من الإهمال، فإعمال النصوص كلها مقدم على العمل ببعضها".

وأضاف لـ"فلسطين" أنه إذا تعارض حديثان، أو آيتان، تعارضًا ظاهريًا، فلا بد من حل هذا التعارض بالطرق المشروعة، وأولها وأهمها الجمع بين النصوص ويحتاج ذلك إلى علماء مهرة في هذا الجانب، مشيرا إلى قول ابن حزم في كتابه الإحكام: "إذا تعارض الحديثان، أو الآيتان، أو الآية والحديث، فيما يَظنُّ من لا يَعْلَم، ففرضٌ على كلِّ مسلمٍ استعمالُ كلِّ ذلك، لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها، وكلٌّ من عند الله عز وجل، وكلٌّ سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق".

وتابع: "مما تجدر الإشارة إليه، أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين النصوص، وإذا بدا تعارض بين نصين فإنما هو تعارض ظاهري، لأن الشارع الحكيم لا يمكن أن يصدر عنه نصّان متناقضان في قضية واحدة".

وللتأكيد على عدم وجود تعارض بين الأحاديث، وبيان الفرق بين المعاني التي تبدو متعارضة، شرح د. خلة الحديثين المذكورين في المقدمة كنموذج للتعارض الذي نتحدث عنه، قال: "معنى الحديث الأول أن المسلم لا بد أن يعرف الحق، ويقضي به، فمن قضى بالعلم والعدل دخل الجنة وهذا هو القاضي الأول، ولا ينبغي لأحد أن يحكم من غير علم، ومن قضى بين الناس بغير علم فله النار وهذا هو القاضي الثاني، كما لا ينبغي للمسلم أن يقضي بالهوى فمن حكم بالهوى أو الرشوة وظلم في حكمه فله النار وهذا هو القاضي الثالث، كما هو ظاهر أن الحديث يتحدث عن أنواع القضاة، ومعلوم أن القاضي له نصوص مكتوبة يسير عليها".

وأضاف: "أما معنى الحديث الثاني، أن من كان عالمًا بأحكام الشريعة وعُرضت له نازلة من النوازل أو مسألة لم تقع من قبل، وجب على فقهاء الأمة أن يجتهدوا فيها باستعمال وسائل وطرق الاجتهاد ومنها القياس وغيره، فمن اجتهد من الفقهاء في المسألة وأصاب حكم الله فيها فله أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق، ومن اجتهد من الفقهاء فأخطأ من غير قصد الخطأ، فله أجر على بذله الوسع في الاجتهاد، وهذا الحديث يخص الحكام والمجتهدين فيما يعرض لهم من قضايا لا نص فيها".

وأوضح: "الخلاصة أن الحديث الأول له معنى يختلف عن الحديث الثاني، فالأول فيمن كان قاضيًا بين اثنين، أما الحديث الثاني فهو في حق العالم المجتهد في القضايا المستجدة، فيجتهد بها ليصل إلى الحكم الحق ولا يقصد إلا الحق فهذا مأجور أخطأ أم أصاب، وكذا الحاكم في القضايا المصيرية التي لا نص فيها كقضية الحرب والسلم".