​الصياد زيدان.. هرب من نيران الاحتلال فأردته الرشاشات المصرية

الزميل يحيى اليعقوبي خلال محاورته والد الشهيد زيدان
غزة - يحيى اليعقوبي

الثالثة والنصف بعد عصر أول من أمس الجمعة، وما إن أخذ قرص الشمس الأحمر بالتواري خلف أمواج البحر المتلألئة، حتى بدأ عبد الله رمضان زيدان وصديقاه يسابقون الزمن في رحلة صيد جديدة قبالة شاطئ مدينة رفح جنوب قطاع غزة سعياً وراء قوت أطفالهم.

خرج عبد الله (33 عاما) مودعا والدته وزوجته وأولاده الأربعة الذين وعدهم بالعودة بصيد وفير من منطقة "صخرية" غنية بالأسماك.

عند الساعة التاسعة وعشر دقائق على بعد ميل بحري ونصف من الشاطئ، كان السكون يخفي عاصفة قادمة، كما يقول رفيق أبو ريالة -الشاهد الأهم في القصة- لصحيفة "فلسطين" والذي كان برفقة عبد الله لحظة إطلاق النار عليهم.

ويضيف "لم تكن هذه المرة الأولى التي نذهب فيها إلى رفح، فكنا نصطاد بالمنطقة البحرية الفلسطينية بحثا عن قوت يومنا، ولكننا تفاجأنا بإطلاق نار كثيف في تلك اللحظة، كنا حينها نجمع الغزل والصيد تمهيدا للعودة".

"لم نر مصدر إطلاق النار بالرشاشات، لكثافة النيران التي لم يسبقها تحذيرات أو أي إنذار والتي على الأغلب أنها مصرية، فأصيب عبد الله على الفور في بطنه وصدره"، يتابع رفيق.

في تلك اللحظات نادى عليّ عبد الله وهو ممدد على الأرض ودماؤه تنزف على سطح القارب "وديني على المستشفى.. كانت آخر جملة قالها لأنه دخل في غيبوبة بعد ذلك".

وبصوت ملؤه الحزن يكمل أبو ريالة: "على الفور قمت بقيادة القارب والهرب من المكان لإسعاف عبد الله، وخرجنا إلى شاطئ مدينة رفح، وطلبنا الاسعاف الذي لم يتأخر وتم نقله إلى المستشفى الأوروبي".

يتمم صديق الشهيد روايته بعد أن أذابت الدموع صلابته حزنا على رحيل آخ غال قائلا: "لم أر صديقا يتمتع بأخلاق ورجولة وكرم مثل عبد الله.. هذا الصديق الذي لا يمكن أن أجد مثله".

"الحمد لله.. حسبنا الله ونعم الوكيل؛ من قام بإطلاق النار عليه ليس لديه أولاد؟، أو أهل؟، ألا يعلم أن من قتله لديه أطفال؟، ماذا استفاد من قتله؟، بماذا سيؤذيهم وهو ذاهب لطلب الرزق؟" بحروف أذابتها قسوة الرحيل يتساءل رمضان زيدان خلال حديثه لصحيفة "فلسطين".

لم يلتق رمضان بنجله صباح ذلك اليوم إذ كان منشغلاً بمتابعة أحوال والده المريض، ليفاجأ مساء الجمعة باتصال من أصدقاء عبد الله الذي أخذ مهنة الصيد عنه، يخبرونه بإصابته، ليعلن في تمام الساعة الثالثة فجرا أمس استشهاده.

يستذكر رمضان مناقب ابنه، بالقول: "عبد الله مسالم لم يؤذ أحدا في حياته، لم يأتني أي شخص ليشتكي أمامي منه، فقط هو دائم البحث عن رزق أولاده".

يضيف الأب المكلوم الذي رسمت عيناه لوحة من ألم متحدثاً عن أحلام نجله، "أنه تمنى شراء قارب كي يعمل به لوحده بدلا من العمل أجيرا لدى الآخرين، وأن يكون لديه بيت فهو عاش حياته هو وأطفاله الأربعة معي في بيت من الأسبست".

وبحرقة الأب على رحيل فلذة كبده تابع "نريد أن يكون هناك وضع أفضل للصيادين، بدلا من أن نقتل من الاحتلال والمصريين (..) لم أتوقع أن يقتل ابني برصاص عربي بالأصل أنه شقيق".

ويشير رمضان إلى أن عبد الله هرب من بطش الاحتلال وملاحقاته المستمرة للصيادين في الشاطئ الشمالي لقطاع غزة ليكون ما هرب منه ينتظره في جنوب القطاع.

محمد (8 سنوات)، الابن البكر للشهيد عبد الله، بدا صامتا هادئا لا يتحدث مع أحد، حينما اقتربنا منه، يلتفت بنظراته في أرجاء بيت العزاء دون أن يصدق أن والده قد رحل هذه المرة إلى غير رجعة، رحل ولن يقبله عندما يعود من الصيد، رحل ولن يأخذه مرة أخرى في رحلة جديدة لتعلم الصيد والسباحة، يحبس دموعه التي لم يأذن لها أن تنفجر وتفيض بما داخلها من ألم، يا لها من مواقف أليمة حينما يكتوي القلب بألم الفراق.