​الشهيد جرار ارتقى حاملاً "وصية أبيه"

من مكان اغتيال الشهيد جرار (الأناضول)
جنين - صفا

من هنا.. حيث الدماء المختلطة بمصحف وتراب، تبدأ حكاية الشهيد أحمد نصر جرار، من اللحظة التي انتهى إليها شهيداً في بلدة اليامون عقب اشتباك مسلح في عملية مطاردة ساخنة لأكثر من عشر ساعات.

نقل الاحتلال الجثمان معه، ليعثر المواطنون على بعض من ملابسه مدرجة بالدم ومصحفاً كتب عليه بخط والده الشهيد نصر جرار "إهداء إلى ابني الغالي أحمد"، ليكون هو الوصية التي تتناقلها الأجيال.

ويعلق على ذلك الصحفي في جنين عاطف أبو الرب" لم يورثه قصراً ولا مالاً، لم يورثه عقارات. بل ورثه نهجاً مقاوماً، وبندقية ومصحفاً كتب عليه إلى ابني أحمد... هذا هو نهج البقاء، لهم المجد في العلياء والجنة من رب السماء..".

وعلى الرغم من فترة مطاردته القصيرة إلا أنها كانت زاخرة بالأحداث، من حيث كثافة المطاردة التي لم يحظ بها مطارد من قبل خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما كان يراد منه قتل النموذج قبل أن يُعمم.

وعاش أحمد يتيماً في كنف والدته مع أشقائه الاثنين وشقيقته، فقد اغتيل والده القائد في كتائب القسام نصر جرار عام 2002، وكان عمره حينها ست سنوات.

إلى المقاومة

وحتى وقت قريب، لم يكن أحمد جرار سوى شاباً يعمل في بيع الستائر والأقمشة وتجارة السيارات، إلى أن اكتشف الجميع أن الوجه المبتسم الهادئ يخفي شخصية قائد مقاوم، إلى أن كانت عملية قتل الحاخام المستوطن في نابلس والعثور على المركبة المحترقة التي نفذت بها العملية بجنين.

ومع الاقتحام الأول لمنزله من قبل وحدات اليمام والذي استشهد فيه ابن عمه ورفيق دربه الشهيد أحمد إسماعيل جرار، كان واضحاً أن الشهيد كان ينتظر قدوم قوات الاحتلال بأي لحظة لتكون المباغتة وتقع الإصابات بصفوف الجنود.

مطاردة مختلفة

شهر من المطاردة عاشها الشهيد جرار كانت مختلفة عن أي مطارد آخر، سجل خلالها أكثر من (40 ) عملية اقتحام لاغتياله ومطاردته في مناطق مختلفة من جنين، حتى أن أهالي جنين عايشوها أسابيعاً قاسية ولكنهم كانوا يسيرون المسيرات ابتهاجاً عقب كل محاولة فاشلة للنيل منه، كان آخرها مساء أمس في برقين والتي كانت بداية العملية الواسعة التي أفضت إلى استشهاده.

وكانت منطقة غرب جنين شهدت الليلة الماضية أعنف عمليات الاحتلال بأعداد مهولة من الجنود انتشروا في جبال كفيرت ويعبد والطرم وصولاً للسيلة الحارثية فاليامون، وبمشاركة واسعة من الطائرات والآليات ووحدات المشاة.

ويبدو أن عملية الملاحقة تدحرجت من برقين إلى اليامون في مطاردة ساخنة انتهت باشتباك مسلح سمع خلالها صوت القنابل والرصاص في غرفة قديمة مهجورة في منطقة الغفر في اليامون.

ابن أبيه

ما كان يميز أحمد أنه كان راغباً بأن يكون مقتدياً بأبيه، وسجل على صفحته على " الفيس بوك" تمنيه الشهادة كأبيه قبل أربع سنوات، كما أنه استشهد وهو يحمل المصحف الذي أهداه إياه والده.

ولكن أيضاً فإن هناك تشابهاً بينه وبين أبيه في طبيعة الملاحقة، فكلاهما بدأ المطاردة من ذات المكان وبظروف مشابهة وبمحاولات اغتيال فاشلة، وكلاهما قضى شهيداً باشتباك مسلح.

رحل أحمد جرار، ولكنه ترك في جنين وعموم فلسطين ثقافة لن ترحل، وهي ثقافة المقاومة التي تتوارثها الأجيال.