​الشهيد "إبراهيم الغول".. اسم لا يُنسى في "كوماندوز القسام"

كتبها - يحيى اليعقوبي

ولا أبالي بأشواكٍ ولا محنٍ.. على طريقي، ولي عزمي ولي شغفي.. أهفو إلى جنّة الفردوس محترقًا.. بنار شوقي إلى الأصحاب والغرفِ.

تغدو الكلمات والأفعال في النهايات للأحبة ذكرى, تودّع النفس فيها الدنيا بالوصايا, تبشّر بقرب الأفراح وتخبر بدنو الرضوان والفلاح.

إلى والدي الحاج "محمد نجيب الغول"، مرت الذكرى الثالثة على غيابي عنكم، فيها فقدتم شيئًا كبيرًا، "ما زال الجميع هنا يشعر بالفراق"، ما تقوله هذا يا أبتي مليء بالحزن، وأنت تعيد شريط ذكرياتي، منذ أن غادرت العمل مهندسًا ميكانيكيًا في ليبيا عام 1988م، وأنت تذكر ما كنت أطلبه منك في صغري: "بدي أروح على غزة عشان نرمي الحجار على اليهود"؛ فالشجاعة وحب الوطن هي غريزة نبتت في أرض البطولة.

ما أسرع اللحظات إذ تمضي, وما أعجل الخطوات إذ تسري, بلهفة العشّاق ودفق الأشواق, يا لها من ذكرياتٍ حفرت مذ كنت طفلًا صغيرًا ظهرت بي علامات الذكاء والشجاعة، وأنت تقول: "إبراهيم مختلف عن كل أشقائه في صفات البر والحنان بوالديه".

كانت السعادة تملأ أرجاء البيت، وتغمر قلبكما يا والدي في 18 من فبراير لعام 1983م، حينما أبصرت هذه الدنيا.

ما أجملك يا أمي -جملات الغول 57 عامًا-، وأنت تقلّبين دفتر الذكريات التي يزينها الحنين بسرد حياة الطفولة: "إبراهيم منذ صغره شجاع يختلف عن الأطفال الآخرين، لا يخاف من الظلام أو الوحدة أو من الذهاب للعيادة لرؤية الطبيب، ولا يبكي كالأطفال، بدأ في المرحلة الإعدادية الاهتمام بتقوية بنيته الجسدية والمشاركة في إلقاء الحجارة على الاحتلال، حينما كنا نعود إلى غزة كل عامين، وبعد ذلك قمنا بالاستقرار في حي تل السلطان غربي رفح عام 1994م".

"ها أنتِ تعيدين ذكر سيرتي الذاتية بالانتقال إلى محطة أخرى، حينما بدأت بالانتماء لحركة حماس -المبايعة عام 2002م-، والمشاركة في الجهاد، وصد الاجتياح الإسرائيلي لحي "تل السلطان"، المعروف بعملية "قوس قزح"، والمشاركة في المواجهات التي كانت تحدث على حدود رفح الجنوبية في مخيم "يبنا".

"خطَّاب"

ما سر لقب "خطَّاب"؟ سؤال كرره الكثيرون، ففي معركة "الفرقان 2009" كان المجاهدون يحتاجون لنداء عبر جهاز الإشارة؛ ليتواصلوا معي فاخترت اسم "خطَّاب"؛ تيمنًا بخطَّاب الشيشان, وبقي لقبًا ملازمًا لي حتى الاستشهاد.

"أحبَّ إبراهيم العسكرية بجنون".. ما زلتِ بهذا الجواب تعبرين عن مدى التضحية التي قدمتها لأجل الوطن، رغم دراسة التمريض وحصولي على شهادة البكالوريوس من كلية فلسطين التقنية برفح، والعمل بهذا المجال، إلا أنني عدتُ وتفرغت للجهاد والمقاومة.

وقفت هنا حروفك عاجزة عن إدراك برِّي بكما يا والدي, وصمتت الأقلام حائرة، فجميل قولك هذا: "أحزنَ إبراهيم "حي السلطان" بكامله حينما رحل، فهو صاحب الابتسامة الدائمة، يرد تحية الإسلام على الجميع، يتفقد أحوال الجيران ويزور المرضى، يشارك في الجنازات، فرغم عيشه في الطابق السفلي مع زوجته وأولاده الأربعة إلا أنه دائم الجلوس معي ومع والده".

لا تنسين طقوس الصباح، حينما توشك الشمس أن تشرق حتى أحضِّر لك فنجان القهوة لنحتسيه معًا، ويدور الحديث بيننا في كافة أمور الحياة، صوتك بدا كــجمرةٍ أذابها الفراق، رغم تماسكه وصلابته، وأنتِ تفتحين شريط الذكريات: "ذات يوم نادى إبراهيم على إخوته وقبّل قدمي، وقال لهم من يسابقني إلى الجنة ويقبل قدم أمي".

الغداء الأخير

الثامن من مارس/ آذار 2014، السبت الذي لا يُنسى، تحتسين جرعةً من صمت في ذلك المشهد؛ يتجرع الكلام مرارة وصف ذلك اليوم المؤلم الذي كان جميلًا في انطلاقته، بدأته بتسجيل ابنتي جنى في المدرسة، وطلبت منك تحضير الغداء لسبعةٍ من أصدقائي كنا في عجلة من أمرنا.

- تناول إبراهيم وأصدقاؤه الغداء، وانصرفوا من المنزل الساعة الثانية ظهرًا؛ تعيشين يا أمي المشهد الأصعب على الإطلاق.

"ما عرفناه أن إبراهيم أُوكِلت له مهمة قيادة وحدة خاصة برفح "الكوماندوز البحري" وقام بنقلة نوعية فيه"، ما زلتِ تسردين قصة الفراق: "قام إبراهيم بتطوير أنبوبة غوص وفي أثناء محاولة تجريبها حدث انفجار".

تتوقفين عند ساعة الرحيل التي كانت مفاجئة لكم، "كنت أجلس مع أبنائي وشعرت بضيق وتعب فصعدت إلى غرفتي، وما هي لحظات حتى بدأ أبنائي بالتوافد أمام المنزل، فدخل أحدهم وزف لي نبأ الاستشهاد".

"رحل إبراهيم في أبهى رحيل، أمطرت السماء في ذلك اليوم حتى تلامست قطراتها الصافية مع وجهه النقي وكأنها تبكي عليه، تفاجأت بقيمته وأهميته وعمله الجهادي وموقعه في كتائب القسام، كان ينتظر المشاركة في الحرب وتقديم شيء لبلده، لكنه أعد المقاتلين والمجاهدين الذين دربهم".. ما أجملك يا أمي وأنتِ تواصلين الثناء بحروف من نور.

آآآخ لو تعرفي ايش بأشتغل؛ لكن لو صارت حرب هدا البيت راح يطير.. هذا كان ردي عليكِ ممازحًا إياكِ على سؤالك لي ذات يوم عن ماهية عملي مع "كتائب القسام".

ذكريات جميلة

يا لها من ذكريات جميلة ومواقف لا تنسى تسحبك من أعماق الذاكرة، "اختلف إبراهيم عن إخوته في علاقاته الاجتماعية، كان رغم التزامه يستمع حتى لمشاكل نساء حيِّه، اهتم بجارٍ يدعى "أيمن"، ويبلغ من العمر 25 عامًا، عاش وحيدا، وكان يعاني من مشاكل نفسية، يخاف الناس الاقتراب منه؛ إلا أن إبراهيم اهتم به وكان يرسل له الغداء، ويذهب إليه لتغسيله".

وكأنها الأقدار يا أمي، قبل الاستشهاد بأربعة أيام قمت بتسجيل وصيتي، باللباس العسكري البحري "بدلة غوص"، وقبله بيومين سجلت وصية أخرى بِبِزَّة عسكرية عادية سجلت فيها صورة تذكارية جمعتنا معًا وأخبرتك.. هذه الصورة كي تكوني أم الشهيد والدة الشهيد، ما أدفأ صوتك، حين قال: "في حفل تأبين إبراهيم قلت بعد حفاوة وثناء الجميع عليه، لن أبكي على رحيله، وسأظل متماسكة أذكر سيرته العطرة"، ما زلتِ تتوقفين عند هذه المحطة: "لم يكن أحد يعلم بالكوماندوز البحري إلا بعد استشهاد نجلي، فكان قادة القسام في حيرة من أمرهم، وتقديرا لمجهوداته ضحوا بالسرية، وأظهروا وصية إبراهيم بلباسه العسكري البحري، وعرف حينها أن القسام لديه وحدة الضفادع البشرية".

أعود إليك يا أبي، قبل رحيلي بأربعة أيام، حينما أمسكتك من يدك وعلى عتبة باب المنزل سألتني: "مالك يابا ايش في"، فقلت لك.. كما ربيتني وعلمتني أريد أن تربي أولادي: منة (11 عامًا)، وجنى (8 سنوات)، وجملات (7 سنوات)، ومحمد (5 سنوات)، ولا تناقشني بأكثر من ذلك، لكنك قلت حينها بقولك المؤثر: "ربنا يطول بعمرك انت بكرا بتربيهم وبتعلمهم"، لكني رحلت دون وداعٍ في يوم حمل الجرح لكما.

مواضيع متعلقة: