​الشعب الفلسطيني بمواجهة المراحل النهائية لتصفية قضيته

سميرة قعوار

يقف الشعب الفلسطيني على عتبة المرحلة النهائية لتطبيق المشروع الصهيوني لبسط السيطرة الإسرائيلية على كامل الأرض الفلسطينية، وتصفية القضية الفلسطينية بمساندة أمريكية كاملة، عن طريق أداتين رئيسيتن هما «صفقة القرن» التي يرمي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها على الشعب الفلسطيني، وقانون الدولة القومية اليهودية الذي أقره الكنيست الإسرائيلي العام الماضي.

«صفقة القرن» التي يريد ترامب تمريرها ما هي إلا النتيجة المنطقية النهائية التي أدت إليها اتفاقيات أوسلو المبرمة عام 1993، والتي رسَّمت محاولات التصفية النهائية للمشروع الفلسطيني الوطني المقاوم للكولونيالية، والساعي للاستقلال والتحرر، حسبما قال البروفيسور جوزيف مسعد، أستاذ السياسة المعاصرة والتاريخ الفكري العربيين في جامعة كولومبيا، في مؤتمر حول فلسطين انعقد في لندن الأسبوع الماضي. وبكلمات أخرى، فالصفقة قد تصبح الخطوة الأخيرة في ما يسمى بعملية السلام. ومع أن إدارة ترامب لم تعلن عن الشق السياسي للصفقة، التي تريد فرضها على الفلسطينيين واكتفت بإعلان الشق الاقتصادي في مؤتمر البحرين الشهر الماضي، فإن تحركاتها تعطي فكرة واضحة عما تبيته للشعب الفلسطيني.

فإدارة ترامب تحاول تفكيك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا)، ونزع الصفة القانونية المعروفة بـ"لاجئ" عن اللاجئين الفلسطينيين، كما أنها نقلت سفارتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة العام الماضي، وسحبت التزامها بحل الدولتين (أي إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي المحتلة عام 1967)، كما أنها لا تعارض الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وكذلك قانون الدولة اليهودية العنصري، ويبدو أنها اتفقت مع الحكومة المصرية على حل نهائي للوضع الإنساني في غزة.

نظرة سريعة لما تمخضت عنه اتفاقية أوسلو، وما تلاها من محادثات فلسطينية إسرائيلية، فيما يعرف بـ«عملية السلام»، والنتائج الفعلية لتلك العملية، كفيلة بتبيان كيف وصلت القضية الفلسطينية إلى مآلها الحالي. معادلة «الأرض مقابل السلام» التي ارتكزت عليها مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 كانت أول تنازل رئيسي قدمته منظمة التحرير الفلسطينية لـ(إسرائيل)، إذ أن المعادلة تفترض أن (إسرائيل) لديها أرض هي على استعداد لأن تمنحها للعرب، وأن العرب مسؤولون عن الحرب مع إسرائيل، وباستطاعتهم منحها السلام الذي طالما سعت إليه. لكن في الحقيقة، ومن المنظور الفلسطيني، فإن المعادلة تنطبق فقط إذا ما تم تفسيرها بالمقلوب، إذ إن منظمة التحرير تنازلت سياسياً لـ(إسرائيل) عن حق الفلسطينيين في حوالي 78% من أرض فلسطين (الأراضي التي احتلتها (إسرائيل) عام 1948) ورضيت بالتفاوض حول وضعية الأراضي التي احتلتها (إسرائيل) عام 1967 فقط، التي تشكل حوالي 22% من أرض فلسطين التاريخية، مقابل أن تنهي (إسرائيل) العنف والقمع ضد الشعب الفلسطيني.

أما الاعتراف المتبادل بين (إسرائيل) ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذي سبق بداية المفاوضات الرسمية بين الجانبين، فلم يكن على أسس متساوية، إذ إن المنظمة اعترفت «بحق دولة (إسرائيل) للعيش بأمن وسلام»، فاستجابت (إسرائيل) بالاعتراف بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني، وقررت أن تبدأ التفاوض معها ضمن عملية السلام في الشرق الأوسط. ولكي يكون الاعتراف متبادلاً على أسس متساوية، كان يجب أن تعترف (إسرائيل) بحق الفلسطينيين بالعيش في دولة خاصة بهم على أرضهم في أمن وسلام، أو أن تعترف المنظمة بحكومة إسحاق رابين كممثل للشعب الإسرائيلي، دون منح (إسرائيل) أي حقوق .ومن هنا، فإن ذلك «الاعتراف المتبادل» تمخض عنه منح الفلسطينيين الشرعية لـ(إسرائيل) كدولة عنصرية رغم كونهم ضحية تلك السياسات العنصرية، حسبما يقول مسعد. كذلك تنازلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي تحولت إلى السلطة الفلسطينية بعد أن أصبحت توجد رسمياً في الضفة الغربية، عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي الفلسطينية، التي أبعدوا عنها، هم أو آباؤهم أو أجدادهم قسراً عام 1948. يتضح مما سبق أن (إسرائيل) اعترفت بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني، في الوقت الذي لم تعد فيه المنظمة تمثل إرادة ورغبات غالبية الشعب الفلسطيني. شمعون بيريز، الذي شغل منصب رئيس وزراء (إسرائيل)، ولاحقاً رئيس الدولة، أشار لذلك بالقول: «نحن لم نتغير، بل إن منظمة التحرير الفلسطينية هي التي تغيرت».

الاتفاقية الإسرائيلية الفلسطينية التي نتجت عن مفاوضات أوسلو لم تصمم للتعامل مع الظلم الذي وقع بحق الشعب الفلسطيني، وإنما لتحويل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 إلى وضع يمكن لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية و(إسرائيل) التعايش معه. وكرس الاتفاق تقسيم الشعب الفلسطيني إلى ثلاثة أقسام: قسم في الأراضي المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة)، وقسم ثانٍ داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ( ويشار لهم بـ«عرب إسرائيل») وقسم ثالث في المنافي خارج فلسطين. بعد ذلك فُصِلت غزة عن الضفة الغربية تماما، وكانت القدس الشرقية قد اقتطعت من أراضي الضفة الغربية، وضمت لـ(إسرائيل) بعد احتلالها مباشرة، ثم أقام الإسرائيليون مئات الحواجز العسكرية لتقسيم الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى سكان مناطق «أ» و «ب» و «ج».

ومنذ انتهاء انتفاضة الأقصى ورحيل الرئيس ياسر عرفات، ترسخ التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل) -الموجه ضد مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي- في عهد محمود عباس، وأصبح المساس به من المحرمات.

نقل واشنطن سفارتها من (تل أبيب) إلى القدس في العام الماضي وتبني ترامب موقف (إسرائيل) بأن القدس هي عاصمة (إسرائيل) يوجهان رسالة بأن القدس لم تعد على طاولة أي مفاوضات فلسطينية مع (إسرائيل)، وأن الملف أغلق نهائياً، وهذا يصب في جهود (إسرائيل) للتحضير لتصفية القضية الفلسطينية، فقد كانت مساحة القدس الشرقية ستة كيلومترات مربعة عندما احتلتها (إسرائيل) عام 1967، لكنها وسعت حدود بلديتها بحوالي 12 ضعفاً على حساب أراضي الضفة الغربية، وهناك خطة لتوسعة إضافية، بحيث تشكل القدس الموسعة حوالي 25% من مساحة الضفة الغربية. وتستثني (إسرائيل) ما تسميه القدس الكبرى الموسعة من أي مفاوضات وتعدها «عاصمة (إسرائيل) الأبدية».

أما المستوطنات الإسرائيلية التي باشرت (إسرائيل) بإنشائها بعد احتلال الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وغزة، فيوجد حوالي 125 منها في الضفة الغربية و12 حياً استيطانياً في القدس، وحوالي 100 نواة استيطانية أخرى يريد المستوطنون المتطرفون الذين أقاموها ترسيمها لدى الحكومة الإسرائيلية وتوسيعها. ويبلغ مجموع المستوطنين حوالي 546 ألفاً، يعيش حوالي 196 ألفاً منهم في مستوطنات في القدس الشرقية وحوالي 350 ألفاً في باقي أراضي الضفة الغربية. مبعوث ترامب للشرق الأوسط جيسون غرينبلات وصف المستوطنات الإسرائيلية بـ«الأحياء والمدن» وقال إنها ليست عائقاً أمام السلام. من الواضح أن الإدارة الأمريكية تبنت بالكامل الخطاب الصهيوني ومشروعه الاستيطاني في فلسطين منذ بداياته في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حسبما يقول الكاتب والمفكر الفلسطيني رمزي بارود.

أما الآن وقد باشرت (إسرائيل) بتنفيذ المرحلة الختامية من مشروعها الكولونيالي الاستيطاني في كامل فلسطين التاريخية بموافقة ومساندة أمريكيتين كاملتين، فقد أدركت السلطة الفلسطينية والطبقة السياسية المحيطة بها أن الدور المنوط بها قد انتهى بالنسبة للإسرائيليين والأمريكيين، وأن صفقة القرن إذا ما طبقت ستحافظ على جهاز الأمن الفلسطيني فقط، مع احتمال الاحتفاظ بجهاز إداري مصغر، إذ يبدو أن صفقة القرن تفترض أن رجال الأمن ورجال الأعمال من أصحاب الاستثمارات هم كل ما يلزم الفلسطينيين لكي يتحرروا، ولعل إدراك السلطة الفلسطينية لذلك هو ما دعاها لمقاطعة مؤتمر البحرين، الذي كشفت فيه الولايات المتحدة بغموض عن الشق الاقتصادي لصفقة القرن دون أي مضمون سياسي.

أما قانون الدولة اليهودية الذي أقره الكنيست في يوليو 2018، فيمهد الطريق أمام الدولة الإسرائيلية للتعامل مع حكم الأقلية اليهودية، كما يقول البروفيسور مسعد إذ إن (إسرائيل) أدركت أن اليهود أصبحوا أقلية في مجمل المنطقة الخاضعة لسيطرتهم في كامل فلسطين، رغم محاولاتها لإحداث تغيير ديموغرافي عن طريق التطهير العرقي والطرد، خاصة في عامي 1948 و1967. ويبلغ عدد الفلسطينيين المقيمين في مجمل فلسطين التاريخية حوالي 7.5 ملايين نسمة، في حين يقل عدد اليهود عن 7 ملايين نسمة. (إسرائيل) أدركت أن القناع الليبرالي الديمقراطي الذي لبسته في السبعين سنة الأخيرة، بعد طرد أغلبية الفلسطينيين وإنشاء دولة كولونيالية ادعت بأنها ليبرالية ديمقراطية لم يعد مجدياً. وبما أن (إسرائيل) غير قادرة على تعدي الحقائق الديموغرافية على المدى المنظور، فإن القانون يُشَرِّع لحكم أقلية يهودية ستتمتع بامتيازات على أسس عرقية ودينية، لا يتمتع بها غير اليهود من فلسطينيين مسلمين ومسيحيين، وستدار الدولة على هذا الأساس. تقول الحقوقية سلمى كرمي أيوب إن القانون له صفة دستورية ويكرس (إسرائيل) كدولة مبنية على العرق، لا على أسس ديمقراطية، ويمنح اليهود دون غيرهم من سكان البلاد حق تقرير المصير في «أرض (إسرائيل) الكبرى»، أي فلسطين بكاملها، وهذا بالطبع خرق لحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وتضيف كرمي أيوب أنه بموجب القانون الجديد، فإن المحكمة العليا في (إسرائيل) مجبرة على تمييز الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في القضايا التي يقيمونها أمام المحكمة للدفاع عن حقوقهم.

ومع أن (إسرائيل) كانت دولة عنصرية منذ بداياتها، وعاملت الفلسطينيين فيها كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة، فإن قانون الدولة اليهودية يعمق تلك العنصرية وذلك التمييز ويرسخهما دستورياً، كما يقول عضو الكنيست الفلسطيني يوسف جبارين. ويضيف أنه لو لم تحصل (إسرائيل) على الضوء الأخضر من واشنطن، لما تجرأت على تمرير القانون في الكنيست. كما أن جبارين يعتقد أن القانون يمهد لأجندة إسرائيلية يمينية متطرفة تقوم على ضم الضفة الغربية لـ(إسرائيل)، مع إعطاء حكم ذاتي للفلسطينيين في المدن الرئيسة في الضفة الغربية.

كيف يستطيع الفلسطينيون التعامل مع هذه التطورات الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، خاصة في ظل التفكك الذي يسود العالم العربي، وشبه انعدام المساندة العربية لفلسطين، أو حتى رغبة بعض الدول العربية في اللحاق بمصر والأردن والتطبيع مع (إسرائيل)؟

هناك حاجة ماسة لاجتراح برنامج وطني جديد يستند إلى رؤية شاملة واضحة وإستراتيجية مجدية وفاعلة يساهم في بلورته مفكرون وسياسيون وناشطون فلسطينيون من كل أرجاء فلسطين والمنافي. التعامل مع القضية الفلسطينية يجب أن يخرج من سياق التجزئة الذي نجحت (إسرائيل) في فرضه، وهذا بالطبع يشمل إنهاء الانقسام السياسي بين فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، التي تشكل قيادة السلطة، وحماس التي تسيطر على قطاع غزة المحاصر، كما يشمل العودة للتعامل مع القضية الفلسطينية من أساسها. وكما يقول رمزي بارود: «الصهيونية لم تتوقف عن العمل على تطبيق مشروعها الاستيطاني الذي وضع قبل 100 عام. لذا فالموضوع لا يتعلق بحل دولتين أو دولة واحدة، بل بمقاومة حركة مستعمرة بدأت منذ ذلك الحين».

كذلك فالعمل الجاد على استقطاب وزيادة التضامن الدولي على المستويات الرسمية والشعبية ضروري، لخلق ضغوط قوية على (إسرائيل) بسبب سياساتها الكولونيالية العنصرية، إذ إن (إسرائيل) ليست بصدد التخلي عن أي من سياساتها دون ضغوط دولية. وما محاربة (إسرائيل) لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات التي أطلقت في فلسطين، ويزداد انتشارها عالمياً إلا دلالة على إدراك (إسرائيل) لما يمكن أن تحققه حركة كهذه، أسوة بما حققته حركة مقاطعة حكم الأقلية البيضاء (الأبارتيد) في جنوب إفريقيا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

أما سلمى كرمي أيوب، فتلفت إلى ضرورة تذكير دول العالم أنه بموجب القانون الدولي، فمن واجبهم التعاون على إنهاء أنظمة الحكم العنصرية والامتناع عن تقديم المساعدة لها وعن الاعتراف بأفعالها المنافية للقانون الدولي. ويحذر جبارين من أنه إذا فشل المجتمع الدولي في تطبيق القانون الدولي بحق خروقات (إسرائيل)، فإن ذلك يشكك في جدوى منظومة القانون الدولي نفسه. ويدعو رمزي بارود إلى ضرورة الالتفات إلى دول العالم الثالث لبناء التضامن والتحالفات ويقول: «لننظر إلى ما هو أبعد من الغرب، فنحن نطارد السراب منذ 25 عاما ولم نحصل على شيء، فلنوسع جهودنا باتجاه الجزء الجنوبي من العالم»، حيث توجد شعوب ودول عاشت الاستعمار وتحررت منه وتدرك ماهية ما يتعرض له الشعب الفلسطيني وستتعاطف لذلك مع نضاله من أجل التحرر. وأخيراً يشير رمزي بارود إلى أهمية أن يستمر الفلسطينيون في المنافي بالتعلق بفلسطين كوطن لهم مهما سكنوا من دول أخرى وتربية الأجيال الناشئة على ذلك.

القدس العربي

--