إقرأ المزيد


​الساعة الرملية والسياسة الأمريكية

عبد الله العقاد
خميس ٠١ ٠٦ / ٢٠١٧

(1)

وجه الرئيس الحالي للإدارة الأمريكية الجمهوري "دونالد ترامب" تهديدًا ووعيدًا إلى بلاد عربية وأخرى إسلامية خلال حملته الانتخابية، في حين جعل قانون "جاستا" السيف الذي سيذبح به بلا رحمة البقرة، كما جاء في تعبيرٍ له عند الحديث عن السعودية، وقد ذكر صراحة أنّ وجودها مرتهن بحماية بلاده لها.

وصرح في حينه أنّه آن الأوان لتُسدد السعودية وأخواتها كل فواتير تلك الحماية من أموال تمتلكها، وبما يكفي حاجة بلاده التي يرى أنّها صاحبة الامتياز في الحماية والنفوذ الأوحد لدول كثيرة في المنطقة.

هذا النفس الذي تحدث به "دونالد ترامب" ليس نشازًا عما تحدثت به كل الإدارات الأمريكية من قبل مع زعامات هذه البلاد العربية، وغيرها القليل من البلاد التي تعد حديقة خلفية لبلاده كـ"جمهوريات الموز" في أمريكيا اللاتينية.

(2)

إنه لجدير التذكير بأنه على مرّ تاريخ تلك الزعامات المشوهة أو الأسر المشبوهة التي استنبتت في رحم ما سميت "الثورة العربية الكبرى" قد وظفت لمصلحة سيطرة الدول الاستعمارية على أملاك "السلطنة العثمانية"، التي كان قد نخرها الفساد بمفاعيل كثيرة، حتى لم تكن الخيانة من داخل القصر غائبة عن تفاصيلها.

فمن يومها أمكن لبريطانيا العظمى وفرنسا وضع أيديهما على أملاك "الرجل المريض" (السلطنة العثمانية) تحت وقع هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، قبل أن تأتي أمريكا لتَسلُّمِ الراية وتعتلي عرش المكانة، وهي ترى أنّها المالك الحقيقي لهذه البلاد، وما بها من مقدرات وموارد، بل من يسكنها من بشر ليسوا إلا رعايا طارئين تحكمهم زعامات مستأمنة على مصالح الدولة الأولى، التي دال لها نفوذ كل الدول التي استنفدت قوة بقائها مستعمرة لهذا العالم من قبل.

لذلك كان صادمًا للإدارة الأمريكية في الولاية الثانية في عهد "بيل كلينتون" رفض أبي عمار مقترحات الحل الأمريكي النهائي للصراع في كامب ديفيد عام 2000م، وعندما رُدّ طلب الرئيس الأمريكي المذكور استأذن رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية في حينه "جورج تينت" رئيسه، ليوجه تهديدًا مباشرًا بمخاطبته رئيسه بالقول: "نحن _سيدي الرئيس_ في بلادهم (في إشارة إلى البلدان العربية) من يضع الرئيس ويرفع الرئيس".

(3)

غير أنّ الجديد في هذه المرة الذي حملته خطابات "ترامب" هو حجم الوقاحة التي مارسها هذا القادم إلى البيت الأبيض في مخاطبته لزعامات العرب، وأيضًا مدى العجرفة والفوقية اللتين كانت أكثر مرة تنعكس فيهما طبيعة السياسة الأمريكية مع المنطقة حتى في لغتها الدبلوماسية، التي عادة ما تستخدم نوعًا من القفازات، وإن كانت رديئة.

فكان لهذا الحديث ما يطرب به الناخب الأمريكي المتشوق إلى ممارسة العنف والكبرياء والتسلط بالقهر، حتى مع البلاد التي لم تفكر في الخروج عن بيت طاعتهم، ولم تنسل عن خدمتهم ومدهم بكل أسباب الطغيان في الأرض دون منة منهم أو تردد.

وكان قد انعكس توعده وتهديده هذان بصورة متسارعة في مؤشرات الحضور، ما أعطاه فرصة كبيرة يقفز بها في البزار الانتخابي التمهيدي الداخلي قفزات متوالية، إلى أن واصل تقدمه بهذه الأجواء المثيرة لروح العدائية والاستكبار، حتى صعد إلى المكان الذي كانت منافسته عليه لدى أغلب المراقبين أقرب إلى الهذيان منه إلى الحقيقة.

(4)

لكن اللافت حقًّا كان حجم المفارقة في خطابه خلال تلك الحملة بين تزلفه ونفاقه الشديدين اللذين فاق بهما الوصف والتوصيف لأهمية الكيان الصهيوني المصطنع، ودوره في الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، وحقه المقدس ليس في الوجود فحسب بل أيضًا ضمان التفوق على كل الدول المحيطة، وإعطائه الكيان كامل الحق المطلق في مواجهة أي قوة يمكن أن تهدده أو تزعجه بأي شكل يراه.

وبين استهتاره الشديد الذي انحدر عن أي وصف أو توصيف ببلاد العرب عمومًا، وبلاد الخليج العربي على وجه الخصوص، فأخذت المملكة السعودية النصيب الأكبر من هذا التعنت والسخرية.

ولكن برسم السؤال: بماذا يمكن تفسير استدارة "دونالد ترامب" تلك التي أظهرتها جولته في أول زيارة خارجية إليه، بأن تكون السعودية أولى محطاته، وقد عقدت له فيها ثلاث قمم مهمة، أملأ في أولاها خزائن المال الأمريكية بما يزيد على 460 مليار دولار، غير الهدايا الثمينة، والثانية التقى فيها زعماء دول ليكون نواة تحالف "صفقة القرن"، لتنعقد على أساسها القمة الثالثة، وهي ما سميت "القمة العربية الإسلامية الأمريكية"، وقد حشد له فيها خمسون زعيمًا عربيًّا وإسلاميًّا دون حضور تركيا وإيران ولبنان؟

(5)

فهل نحن أمام تحوّل عن الخطاب الذي أنذر وتوعد به تلك البلدان إبّان حملته الانتخابية، أم أنه ليس أكثر من قلب الساعة الرملية التي تضبط حراك السياسة الأمريكية؟

وبذلك تستمر سيرورة الدور الأمريكي في ابتزاز الزعامات المرتهنة في وجودها أو المرهونة في تسيّدها، لتبقى وفية حتى في خنوعها حين تقديم قرابين الولاء والإذعان لـ"العم سام".

أما القليل النادر فلا حكم له لمن كان يرغب من تلك الزعامات بالفكاك من هذا الاستعباد أو يحاول النأي عنه، فالحكم دائمًا للكثير السائد، وهو حال أكثر الزعامات العربية والإسلامية المرتهنة لمصالح أعداء الأمة في المنطقة.

ولذلك تجد أكثر ما يؤلم تدافع زعامات الأمر الواقع العربي والإسلامي حين تبذل كلٌّ منها قُدرتها، كي توفر احتضانًا أوفى، وإن بزج المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية فيما يُسمى "حرب الإرهاب"، ليس إلا خدمة لمصلحة الكيان الصهيوني المدلل الذي يستمد بقاءه فقط من شلال الدماء النازفة من شعوب المنطقة تحت أي عناوين أتت.

وإن كان الكيان الغاشم أكثر حبًّا للدماء التي تستنزفها أيدي هذه الشعوب بنفسها، ما كان منها بدواعٍ مذهبية أو طائفية أو إثنية.

فمتى ستفيق شعوبنا المغلوبة على أمرها لتنفض عنها كابوس الاستذلال، ولتواجه بقوة هذا الواقع الأليم؛ فتخرج من نفقها المظلم الذي أرغمت عليه ورثة من تركة استعمارية غربية جاءت في ثوب "ثورة عربية كبرى"؟!