​العقل السياسي بين الشيطنة والتقديس

غريب أن تجد عربيا يؤيد دولة الكيان الصهيوني في عدوانها على سوريا !! هل هو العمى السياسي أم الغباء في القدرة على التمييز بين العدو والصديق أو عدم القدرة في التمييز بين أهدافنا وأهداف عدونا ؟ فمن الواضح جدا أن عدونا عندما يوجه عدوانه إلى أي جهة كانت إنما يفعل ذلك لتحقيق أهدافه في المنطقة ، فهل ندرك عندما نقف مع هذا العدوان اننا ننسجم مع ذات الاهداف الصهيونية في المنطقة ، وانه قد أصبح بيننا وبين هذا الكيان تداخل وانسجام بين سياستنا وسياسته، وأن ما نريده اصبح موافقا لما يريده للأسف الشديد .

تبدأ المشكلة من طريقة التفكير السياسية والتي غالبا ما تكون على طريقة تصنيف أبيض وأسود: اما ان نشيطن أو ان نقدس ، فاذا شيطنا طرفا ما فلن نتفهم او نقبل اي موقف من مواقفه ولن نوافق على اية سياسة من سياساته، فمهما فعل، اصاب أو أخطأ فهو مخطئ على الدوام ولن نقبل منه شيئا مهما فعل . وكذلك حالة الرضا عن طرف ما فإننا نحيطه بهالة من التقديس ، كل فعل او موقف او سياسة تنبع من بين يديه، فله منا المبايعة والتأييد وكل ما قد يكون خطأ أو فشلا أو حتى مصيبة جرها على البلد فالتبرير جاهز ، بسرعة تشتغل ماكينة التبرير تلقائيا كما يفعل مولد الكهرباء الاحتياطي عندما تنقطع الكهرباء .

بينما العقل السياسي الحر يرى الامور بطريقة موضوعية بعيدا عن الشيطنة او التقديس ، فمهما كانت الاعتراضات او التحفظات أو حتى عدم التأييد المطلق لسياسات معينة فيجب ألا تحول بيننا وبين رؤية ما يقوم به العدو الصهيوني في بلد عربي من عدوان وقتل ودمار . وعندما يسارع أيضا من يتبرع في تبرير العدوان ويعتبر ان من حق دول المنطقة ان تدافع عن نفسها بما فيهم " إسرائيل " ، فإننا نرى كم بلغ هذا العقل من خلل وفشل في الوصول الى التفكير الموضوعي والرؤية الموضوعية . ولن يخرج من تفكيره من طريقة الابيض والاسود والتصنيف اما شيطنة او تقديس .

ومن الواضح هذه الايام ان السياسة أصبحت على طريقة اللعب بالمكشوف ولا تحتاج الى التحليل وسبر غور ما يجري وقراءة ما خلف السطور، فترامب مثلا يعلن على الملأ تأييده المطلق لما ينادي به رئيس وزراء دولة الاحتلال ويتماهى معه الى درجة غير مسبوقة ويلتزم بما وعد به حول البرنامج النووي الايراني وحيث يريد نتنياهو تماما وسبق ذلك في موضوع نقل السفارة الى القدس ، ويعلن كيف ينظر الى المال العربي ويصل الى ما يريد .. لم يعد هناك ما يقال في العلن وما يقال في السر فدرجة الاستهانة بنا كعرب أفقدتهم ضرورات اللياقة الدبلوماسية ولم تترك للزعامة العربية اي مجال للتصريح لغايات الاستهلاك المحلي .

فالعقل السياسي اذا اراد الموضوعية والوصول الى ما يخدم مصالحنا وسياساتنا عليه ان يبتعد عن تصنيفات الابيض والاسود أو الشيطنة والتقديس ، ولينظر بعين منصفة لما يحقق غاياتنا واهدافنا وليضرب بعرض الحائط كل من يتقاطع ويلتقي مع أهداف وسياسات أعدائنا .