إقرأ المزيد


​لأن مهنتهم على وشك الاندثار

النحاسون.. ملوكٌ أخرجهم الواقع من القصر!

غزة- هدى الدلو

يعتلي الغبار أرفف بيت النحاسيات في قرية الفنون والحرف بعد أن شحّ زوارها، ويحاول الحاج "جمعة الزعيم" جاهدًا أن ينفضه بين الحين والآخر، وقلبه يعتصر ألمًا على ما آلت إليه هذه الصناعة الأثرية القديمة، التي كانت له هوايةً أكثر منها مهنة، ويصرّ على الوجود بصورة شبه دائمة في القرية، علّه يتمكن من أن يعيد إلى هذه الحرفة مجدها القديم.

كانت هذه الحرفة للعاملين فيها مصدرًا وفيرًا للرزق، لكن قبل أعوام قليلة انقلب بهم الحال رأسًا على عقب، إذ شارفت المهنة على الاندثار، لتخلي بعض حرفييها عنها، وتراجع إقبال الناس على اقتناء المصنوعات النحاسية جزءًا من التراث الشعبي الفلسطيني.

في كل بيت

قال النحاس الفلسطيني جمعة الزعيم المُكنى بأبي حافظ (66 عامًا): "ورثتُ هذه المهنة عن والدي، الذي ورثها عن والده وجده، وبدأت العمل فيها منذ أن كنتُ صبيًّا في سن الخامسة عشرة، وفي ذلك الوقت كان لهذه المهنة الأزلية التي عرفت قبل 1500 سنة مكانة عظيمة".

وأضاف لـ"فلسطين": "كانت المصنوعات النحاسية شيئًا أساسيًّا في البيوت، وكانت تدخل في جميع الصناعات كأدوات الطهي والزينة، والسخانات وغيرها، فهي مهنة لا تتغير ولا تتبدل، ومن الصعب جدًّا العمل على تطويرها، وإقحام أساليب التجديد فيها".

وتحدث الزعيم عن القطع النحاسية التي لم يكن يخلو منها بيت: "كانت قطعًا تسرق الأنظار، مرصوصة على الأرفف، أو معلقة على الحائط، أو الأرضيات، حتى جهاز العروس كان يحتوي على بعض القطع النحاسية التراثية كالمكحلة والمعطرة، والبرقع، والحلي، وغيرها من المستلزمات، وأهل العروس كانوا يجهّزون بيت ابنهم بالنحاسيات، مثل أواني الطهي، والملاعق، والكؤوس، والمغارف، والصحون، والكانون، و"بكرج" القهوة وفناجينها، وغيرها".

ومع أن النحاسيات على وشك الاندثار ولا يقتنيها الكثيرون لا يزال يحتفظ بقطع خاصة في بيته، ووصف من يمتلك قطعة نحاسية بأنه فنان، وصاحب ذوق، وشخص أصيل ومحافظ على تراثه الفلسطيني.

عمل الزعيم في قرية الفنون والحرف منذ فتحت أبوابها، وعن البدايات قال: "في بداية افتتاحها كان الزوار يتوافدون يوميًّا لاشتراء المقتنيات من القرية، حتى أكل شبح الحصار الخانق على غزة وشرب، ليقطع أقدام الوفود والزوار الأجانب، ويُلقي بتأثيره الاقتصادي على المواطن الفلسطيني".

وإضافة إلى بيته النحاسي في القرية كان له ورشة خاصة، ولكن بسبب سوء الأحوال الاقتصادية اضطر إلى إغلاقها قبل 15 عامًا، ففي الماضي _وتحديدًا بعد عام 1967م_ كانت البعثات الأجنبية تحرك العجلة الاقتصادية، لكون الزوار يحبّون اقتناء هذه القطع.

قبل سبعة أعوام أصيب الزعيم بسرطان الرئة، وأرجع بعض الأطباء سبب الإصابة إلى عمله في النحاس وما ينتج عنه من "برادة"، وبعد استئصال جزء كبير من الرئة لم يترك العمل في ورشته البيتية؛ فقد ارتبط بها وتآلف معها.

وتكمن أعلى درجات المزاجية لدى الحاج الزعيم وهو يستمع إلى طرقات يده على القطع النحاسية، فهذه المعزوفة الموسيقية توقظ كل خلاياه دافعة به نحو العمل والإبداع في تنظيف القطع، وصناعة قطع أخرى، واشتراء قطع قديمة من آخرين ليعيد تجديدها.

ونظرًا إلى غلاء أسعار الألواح النحاسية، فسعر المتر الواحد أكثر من 300 شيكل؛ يتوجه يومي الجمعة والسبت إلى أسواق مدينتي خان يونس ورفح، لاشتراء القطع النحاسية المستعملة، ليعيد تصنيعها وتدويرها، ويعكف حاليًّا على صناعة صنابير المياه، بسبب عزوف الناس عن اقتناء ما له علاقة بالتراث، ويتمنى أن ينتهي الحصار ليعود إلى المهنة التي ورثها أبًا عن جد، وعشق العمل فيها.

ومع حبّه لمهنته وتغنيه بها رفض أن يورثها لأبنائه، خاصة بعد الظروف التي مرت بها الحرفة في سنواتها الأخيرة بسبب الحصار، إذ أصبحت المهنة "مش جايبة همها"، بعد أن كانت تجعل أصحابها "يعيشون كالملوك"، على وفق وصفه.

تراث ضائع

قال الزعيم: "بلد دون تراث لن يكون وطنًا، فمن لا ماضي له ليس له حاضر ولا مستقبل، فبينما تراجع الفلسطينيون أصحاب التراث والأرض عن اقتناء النحاس والاهتمام به؛ يبذل اليهود قصارى جهدهم في سرقة الأرض والتراث، ومن أكثر ما يميلون إلى اقتنائه القطع النحاسية".

وأضاف ووجهه يتشح بالحزن: "يؤسفني القول إنها مهنة على وشك الاندثار؛ فلم يعد لها أي اعتبار، خاصة أن الغزيين لا يميلون إلى اقتناء التحف النحاسية، وانتهت استخدامات النحاس اليومية كالأدوات المنزلية".

وأكد الزعيم ضرورة حفاظ الفلسطينيين على التراث الفلسطيني بكل ما أوتوا من قوة، خاصة بين الأجيال الناشئة، بتدارسه في المدارس، ليصبح الأطفال والشباب أكثر وعيًا بقضيتهم وتراثهم الذي يُسرق أمام أعينهم، ليتمكنوا من الحفاظ على هويتهم الفلسطينية وقضيتهم.

مواضيع متعلقة: