​"الموبايل" شر لابد منه ضحيته الأولى العلاقات الأسرية

غزة - رنا الشرافي


هو شر لابد منه، دخل كل المنازل، بل إنك تجد في المنزل الواحد جهازين أو ثلاثة من أجهزة الهاتف المحمول (الموبايل)، الذي أصبح بفضل التقنيات الحديثة واتصاله الدائم بالشبكة العنكبوتية دائم الحضور مع معظم أفراد الأسرة، وفي أجمل أوقاتها، حتى غدت تلك الأوقات الغالية باردة مبهمة خالية من أي تعبير.

بعض وصفه باللص، وبعض آخر عده متعة مؤقتة، وآخرون وجدوا فيه تسلية تعوضهم عن اجتماع الأبناء، ومنهم من رأى فيه انهيارًا لمعنى الأسرة وتلاحمها وتراحمها، لأنه سبب في تشتت أبنائها، وإن كانوا جسديًّا في غرفة واحدة.

"فلسطين" ناقشت مع عينة عشوائية من الأسر الفلسطينية في غزة تأثير "الموبايل" على ترابطهم الأسري، وكيف انعكس وجوده في المنزل على العلاقة بين أفرادها، وسلطت الضوء على سُبل تخفيف هذه الآثار.

"هوس" نفسي

"كأنه هوس نفسي أصابهم" بهذه الكلمات بدأت رانية إسماعيل حديثها، مشيرة إلى أن لديها خمسة أبناء في سن المدرسة، أكبرهم أحمد (18 عامًا)، وسارة (16 عامًا)، وكلاهما مشغول بهاتفه، وكأنه لا يعرف في هذه الحياة سواه.

وبينت لصحيفة "فلسطين" أن عدوى "الموبايل" تنتقل إلى أشقائهم الأصغر الذين يلحون على أبيهم بتوفير أجهزة لهم أيضًا، معربة عن شعورها بالندم على توفير جهازين لأحمد وسارة.

"أحيانًا أندم، وأحيانًا أخرى يستخدمونه للدراسة كالبحث عن معلومات أو صور؛ فأجد فيه خيرًا" أضافت إسماعيل.

وعن سبب ندمها أجابت: "أتحدث إليهما وهما بجواري فلا يجيبان، وأحيانًا أشعر أنهما لا يسمعانني، وكأنهما في عالم آخر، وإذا تعطلت شبكة الإنترنت المنزلية تجدهما هائمين ضجرين بل غاضبين، لا يستطيع أحد التحدث إليهما".

بدوره قال محمود أبو هربيد _وهو والد لثلاثة أطفال أكبرهم في سن الثامنة_: "وعدت ابني سامر البالغ من العمر ثماني سنوات _إن تفوق في دراسته_ أن أعطيه موبايلي القديم؛ فهو يجيد استخدامه وتحميل الألعاب عليه، أيضًا الموبايل يلهيهم قليلًا عن والدتهم حتى تقوم بأعمالها المنزلية".

وتابع لصحيفة "فلسطين": "في بعض الأحيان لا نشعر بوجودهم؛ فهو وإخوته يتناوبون على استخدامه واللعب عليه، وأحيانًا يصل صراخنا إلى آخر الشارع ونحن نفض العراك بين الأولاد على استخدامه".

أكمل: "له محاسن وله مضار، لذا ينبغي تحديد ساعات استخدام الأطفال له، وقد بدأت ذلك، فبت أسمح لكل منهم باستخدامه مدة نصف ساعة في اليوم، بعد إنجاز فروضه المدرسية، والحمد لله، الحال أصبح أفضل".

من جانبه قال عبد الله اسليم _وهو شاب جامعي في عامه الثالث من تخصص اللغة الإنجليزية_: "جدتي تكره أن نزورها بسبب انشغالنا بالموبايل وعدم انتباهنا إلى حديثها أو تحدثنا معها، ودائمًا تبدي انزعاجها منه، وتنصحنا بتركه".

وأضاف لصحيفة "فلسطين": "يعتقدون أننا نستخدمه للألعاب فقط، وهذا غير صحيح؛ فنحن نتابع الأخبار، ونبحث عن معلومات لدراستنا، ونتواصل مع أصدقائنا، خاصة الذي غادروا قطاع غزة، وأشياء أخرى كثيرة، ومع ذلك لا ننكر أنه يسرق وقتنا ولا نعرف كيف تمر الساعات بنا".

أما الجدة أم محمد جحا فقالت: "أنا كذلك أستخدم "الموبايل"؛ فبناتي وأولادي جميعهم متزوجون، ولم يبق في المنزل سواي وسوى زوجي، الذي يمضي وقته ما بين الجلوس في الجامع والجلوس مع أصدقائه في الحي، في حين أبقى وحدي في المنزل ساعات طويلة لا أجد من يسليني سوى الموبايل".

وأضافت لصحيفة "فلسطين": "أتابع مقاطع (فيديو) مثل الدروس والفتاوى والمسلسلات والبرامج الطبية وغيرها، وأتحدث إلى بناتي مجانًا، حتى إنني أستطيع أن أشاهدهن في أثناء الحديث إليهن"، لافتًا إلى أنه عندما يحضر أبناؤها وبناتها لزيارتها تضع "الموبايل" جانبًا، لأنه أصبح وقت العائلة.

الأسرة أهم

في السياق رأى الاختصاصي الاجتماعي والنفسي إياد الشوربجي أن "الموبايل" أصبح من ضروريات الحياة في عصرنا، وهذا ما يبرر وجوده في كل منزل تقريبًا، مشيرًا إلى أن للموبايل ميزات إيجابية، إضافة إلى عناصر سلبية قد تحكم استخدامه.

وقال في حديث لصحيفة "فلسطين": "من مميزات هذا الجهاز أنه قرب المسافات بيننا وبين الآخرين، وبيننا وبين المعلومة أينما وجدت، فبه نستطيع متابعة ما يجري في الطرف الآخر من الكرة الأرضية مباشرة".

تابع الشوربجي: "ومن سلبياته أنه ترك آثارًا ضارة على صحة الإنسان البدنية والنفسية والاجتماعية، وكان السبب الأبرز في عزلة الأفراد عن المجتمع، وعزلة بعضهم عن بعض، حتى في داخل البيت الواحد، حتى في أثناء الزيارات تجد كلًّا منشغلًا بتصفح جهازه الإلكتروني".

وبين أنه من الناحية الاجتماعية تسبب "الموبايل" في عزلة الأفراد وانطوائهم، وتفضيلهم المكوث في غرفهم برفقة أجهزة هواتفهم على الجلوس مع باقي أفراد العائلة الواحدة، وأنه أيضًا خلق نوعًا من الجفاء بين الأزواج.

أما من الناحية النفسية فرأى الشوربجي أن "الموبايل" سبب في إحداث القلق والتوتر اللذين قد ينتج عنهما عمليات انتحار في بعض الحالات، التي استطاع "الموبايل" أن ينقلها من العالم الحقيقي إلى عالم افتراضي يغزو أفكار الفرد، ويوهمه بأنه يعيش في بيئة حقيقية، هي غير موجودة في الأصل.

وأشار إلى أن الأفراد في ساعات الزيارة أصبحوا يطلبون من مضيفهم كلمة السر لاستخدام الإنترنت، لتصبح الزيارة افتراضية عبر مواقع التواصل، مع وجود الأفراد في الغرفة نفسها، وهذا أثر سلبًا على العلاقات الاجتماعية والترابط النفسي بينهم.

ونصح الشوربجي للخروج من هذه الأزمة بتحديد أوقات معينة لاستخدام أجهزة الهاتف (الموبايل)، مع عقد اتفاق بين أفراد الأسرة والوالدين على ضوابط محددة لاستخدام هذه الأجهزة، لتبقى الأولوية والأهمية للتفاعل المباشر بين أفرادها، لا استخدام هذه الأجهزة وانشغالهم بها على حساب وقت العائلة.