​"المنسق" ترّوج لإنسانية زائفة والفلسطينيون يعيشون "الحقيقة المُرّة"

جنود من جيش الاحتلال يعتقلون أحد الشبان بشكل وحشي (أرشيف)
قلقيلية - مصطفى صبري

لا تجدي نفعًا محاولات الصفحة التابعة للإدارة المدنية الخاصة بـ(إسرائيل) على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) في تلميع صورة الاحتلال؛ إذ يعمل بها طاقم من ضباط جيش الاحتلال يعملون في مكاتب الارتباط المنتشرة في المحافظات الفلسطينية، حيث يَعمد الاحتلال إلى إظهار إنسانيته مع الفلسطينيين في حالاتٍ يتم توثيقها من قبل العاملين في صفحة المنسق ونشرها بطريقة حضارية على يد طاقمٍ مدرب.

لكن الحقيقة شيء مختلف تمامًا؛ ذلك أن حال الفلسطينيين الذين يكتوون بنار الاحتلال على مدار الساعة يتناقض تمامًا مع التسهيلات التي يتم الترويج لها؛ ناهيك عن عوائق لا حصر لها يتعرضون لها بطريقةٍ مهينة على المعابر الأمنية وفق إجراءاتٍ تنال من كرامتهم، الاحتلال مثلًا يكتف بقبول النذر اليسير من الطلبات الإنسانية التي ترفض باستمرار؛ ويُظهر الطلبات المقبولة المعدودة في الصفحة المذكورة كإنجاز بشكلٍ واضح.

يقول أحد العاملين في "لجنة الصليب الأحمر الدولية" لــ"فلسطين"، والذي رفض الإفصاح عن اسمه: "في مناطق "ج" (وهي الوحيدة المتلاصقة في الضفة الغربية، وتقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة أمنيًا وإداريًا) تحدث العديد من الانتهاكات التي تعد جريمة بحق الفلسطينيين في إطار قمعٍ مبرمج من قبل جيش الاحتلال الذي يهدم المساكن والمدارس والخيام المخصصة لعلاج البدو في مضاربهم المنتشرة؛ وصهاريج المياه ومولدات الكهرباء المتنقلة ليتم استهدافها دون شفقةٍ أو رحمة".

ويرى أن الانطباعات التي يشاهدها فريق الصليب الأحمر على الأرض مؤلمة للغاية، موضحًا: " ما نراه مؤلم بمعنى الكلمة؛ انتهاكات متواصلة يرتكبها جيش الاحتلال الذي يتعامل بقسوة مفرطة مع الفلسطينيين في مناطق الريف".

هذا العامل يرافق عائلات الأسرى في رحلة الزيارة؛ ويرى بأم عينه أسلوب التعامل مع عائلات الأسرى والفحص الأمني على المعابر والتدقيق المصطنع، وإرجاع العديد منهم في المعابر الأمنية أو عند أبواب السجن قبل الدخول إلى الزيارة".

غزلان وجيران

وسبق وأن أظهرت نشرة على "صفحة المنسق" اهتمام الإدارة المدنية بالغزلان وعدم اصطيادها وتشديد العقوبة على من يقوم بعملية الصيد.

يقول المزارع الفلسطيني عزام منصور (50 عامًا) من قرية دير استيا المشرفة على واد قانا بين قلقيلية ونابلس: "أمر مثير للسخرية أن يحاول ضباط الإدارة المدنية والعاملون في سلطة الطبيعة والبيئة بالاهتمام بأعداد الغزلان وتكاثرها؛ وفي المقابل يتم قمع الفلسطيني وتهديد وجوده وتقييد حركته وهضم حقوقه؛ نحن في وادي قانا نتمنى أن نعيش مثل الغزلان دون قيود وملاحقات، فهم يهتمون بغزال الجبل ويقمعون من يسكن الجبل".

ويتساءل بحرقة: "هل الغزلان بالنسبة لكم أهم بكثير من الفلسطينيين أصحاب الأرض؟ إننا نحافظ على الغزلان أكثر منكم، فأنتم من نشر الخنازير لتهاجم الشجر والبشر".

كما نُشر إعلان عن الجيران وحقوقهم والأمثال الشعبية والأحاديث النبوية على "صفحة المنسق" التي تحث على حق الجيرة، لتشجيع العلاقة بين الفلسطينيين والمستوطنين، حيث تم نشر مضامين من هذا القبيل: "حسن الجوار يولد الحوار والاستقرار " والنبي وصى على سابع جار".

وفي استطلاع أجرته "فلسطين" حول آراء بعض الشباب الفلسطيني في هذه الطريقة الترويجية لتحسين صورة الاحتلال؛ يقول فريد ناصر (20 عامًا) والذي يدرس في قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح في نابلس: "من يتابع صفحة المنسق يقول إن الفلسطينيين لا يَرزحون تحت الاحتلال، وأن عليهم المُحافظة على حق الجيرة مع من يغتصب أرضهم ويقتلع جذورهم ويحاصرهم في بيوتهم".

وناصر هو ابن قريةٍ محاصرة بالاستيطان ولا يسمح بدخولها إلا بتصاريح أمنية في أوقات محددة، لا يستطيع أن يمنع نفسه من التعقيب: "كيف نُطالَب بحسن الجوار مع من يمنعنا عن أرضنا؟ أقولها جازمًا أن أي طفل فلسطيني يستطيع دحض الأكاذيب المنشورة على صفحة المنسق".

ويقول عبدالفتاح حماد (59 عامًا): "المشرف على هذه الصفحة يبدو أنه نسي أن ذاكرة الشعب الفلسطيني قصيرة وتناسى ما تم ارتكابه من جرائم على الأرض، ففي عام 2002م اغتال الاحتلال شقيقي عبدالرحمن من فوق سطح منزله بصورة متعمدة، من خلال قناص وجد في سيارة متوقفة على ما يسمى بـ"الخط الأخضر"، ثم يأتي "المنسق" ويتحدث عن حقوق الجيرة، أعتبر هذا استغفالًا للعقلية الفلسطينية وتضليلًا للرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي، وعلى الجميع مقاطعة هذه الصفحات؛ لأن التعامل معها ترويج للاحتلال وسياساته العنصرية".

زيت وزيتون

إحدى الإعلانات المنشورة على صفحة المنسق تلقي الضوء على شجرة الزيتون ومنتج الزيت.

يقول المزارع جمال اخليف من قرية النبي إلياس شرق قلقيلية: "أيها المنسق إذا كنت تقول إن شجرة الزيتون مباركة وزيتها مفيد للصحة والجمال، فلماذا تقتلع الأشجار وتحرق وتسرق من الأرض على مرأى ومسمع من جنود الاحتلال وبأدواتهم؟".

وأضاف: "الفلسطيني ليس غبيًا حتى يصدق أكاذيبكم وتضليلكم، لديكم تجربة عالمية في التزوير، فقد زورتم وجودكم فكيف لا تتجرؤون على تزوير الحقائق على الأرض".

ويوجه الناشط محمد زيد من قلقيلية رسالة واضحة إلى صفحة "المنسق": "حوّلتم مدينة مثل قلقيلية، تعداد سكانها يزيد على 55 ألف إلى سجن يعد من أكبر سجون العالم، وتذكرون على صفحتكم أنكم من أصحاب الديمقراطية والمعاملة الإنسانية، والأمثلة لا تعد ولا تحصى فيما يخص أشكال الاعتداء على الفلسطينيين الذين يعيشون بلا أفق في ظل استمرار الاحتلال".