إقرأ المزيد


​توفي بعد صراع مع المرض

المخرج جندية.. أثرى السينما الفلسطينية ووصيته "فيلم شاليط"

غزة - نسمة حمتو

تعلم الإخراج عندما سافر لدراسة الطب، هكذا كان الحال بالنسبة للمخرج الراحل ماجد جندية، فقد توجه إلى ألمانيا ليدرس فيها الطب تلبية لرغبة والده الذي كان يتوقع له شأنًا عظيمًا، مرّت ثلاث سنوات على غياب ماجد وانقطعت كل وسائل الاتصال مع أهله، ليعود بعد تلك السنوات حاملا شهادة دبلوم تمثيل من معهد "HDK" في العاصمة الألمانية برلين، ليفاجئ بها الجميع، وبعد عودته انطلق في مشواره الفنيّ من غزة.

السيناريست والمخرج الفلسطيني ماجد حسين جندية وُلد في الثامن من سبتمبر عام 1967، وتوفي الأحد الماضي، بعد صراع مع مرض السرطان، وقد ترك لمكتبة السينما الفلسطينية رصيدا كبيرا من الأعمال الفنية.

الإخراج لا الطب

كان وقع الصدمة على والد جندية كبيرا في البداية، كيف لا وهو أرسل ابنه لدراسة الطب في ألمانيا، ولكنه عاد بشهادة في الإخراج، الذي لم يكن يعرف عنه شيء آنذاك، حينها بدأ الابن ماجد يعمل بإنتاج بعض الأفلام الخاصة به ليقنع والده بعمله، هذا ما حصل، اقتنع الأب وآمن بقدرات ابنه، بل وأصبح يشجعه في كل عمل يقوم به.

قال إسماعيل جندية، شقيق الراحل: "كان أخي رحمه الله يحب الأفلام الوثائقية، وخاصة الوطنية منها، فأخرج أفلاما كثيرة، منها فيلم عن عماد عقل، وكانت أمنيته إخراج فيلم عن الجندي الأسير السابق في غزة جلعاد شاليط، وكانت لديه رؤية مميزة لأعماله استقاها من العلم الذي تعلمه في ألمانيا".

وأضاف لـ"فلسطين": "كان رحمه الله مسامحا جدا، فمهما غضب منّا كان يبادر بالسلام، ويحرص على الحديث معنا بأسلوب جميل، ويفرض احترامه على الآخرين".

وأوضح: "كما كان يحب تدريس العلوم الدينية، لا سيما علوم القرآن، حتى أنه كان يجلس في المسجد في حلقات العلم يُعلم الأطفال، وكان يذهب إلى المدارس بالتنسيق مع دائرة القرآن الكريم والسنة لتعليم تلاوة سورة الفاتحة وأحكام القرآن الكريم للطلاب".

وبحسب جندية، فإن "جميع أطفال العائلة يحبونه، كان يغرس فيهم حب صلاة الفجر، حتى أنني سمعت أحد أبناء شقيقي في صلاة الفجر يقول ليتني مِتُّ بدلاً من عمي ماجد ليبقى هو ويوقظكم لصلاة الفجر".

كان ماجد يوصي أشقاءه وأقاربه دائماً بأبنائه الذين لم يبلغ أكبرهم عامه العاشر بعد، وكان حريصا جداً على تعليمهم علوم القرآن وحفظ كتاب الله.

"أتمنى أن يرضى الله عني وأن يسجل التاريخ الأفلام التي أخرجتها في ميزان حسناتي"، هذا ما كان يتمناه المخرج الراحل، وفقا لشقيقه.

صاحب رسالة

جندية، قدّم أرشيفاً فنياً يخدم فلسطين والمقاومة، وكان مثالا للمثقف صاحب الرسالة الدينية والوطنية، أحب فلسطين ومجاهديها، وشارك مؤخراً في مخيمات طلائع التحرير التي نفذتها كتائب القسام مع الجيل الصاعد لحبه لهذا الجيل، بحسب ما قاله المقربون منه.

قال رئيس منتدى الفن الفلسطيني سعد اكريم: "تعرفت عليه بحكم عملنا في المجال الفني، وتوطدت علاقتنا أكثر عندما بدأ بإخراج الفيلم الطويل (عماد عقل) الذي أنتجته شبكة الأقصى الإعلامية، وكانت تجربة هذا الفيلم مرهقة بالنسبة لجندية بسبب اشتداد الحصار وعدم وجود الإمكانية اللازمة لإنجاز العمل، فكان يعمل ليلا ونهارا من أجل أن يخرجه للنور".

وأضاف: "حسب معرفتي به، فهو كان يعمل مخرجا ومساعدا في إدارة الإنتاج والتمثيل، وهذا شيء لا يتصوره من يعلم حساسية هذه التخصصات، فهي تحتاج إلى طواقم كبيرة ومتخصصة".

وتابع: "أجريت معه حوارا مطولاً حول آخر أعماله الفيلم الروائي الطويل (الوهم المبدد) عن خطف الجندي جلعاد شاليط، وتحدث عن جهات الإنتاج المشاركة في إنتاج الفيلم وعدم قدرتها على توفير تكاليف الإنتاج، وهذا تحدٍ كبير، وكان بعزيمته الصلبة المعهودة عنه يضع نصب عينه إنجاز هذا الفيلم".

وأشار إلى أن جندية عندما سافر إلى مصر للعلاج قبل عام، أوصى مساعده المخرج عمر العيماوي بإتمام الفيلم.

ودعا اكريم "الغيورين على سينما المقاومة إلى إكمال مسيرة إنتاج هذا الفيلم الذي يتحدث عن قضية مهمة، خاصة أنه تم إنجاز ما يقارب 150 مشهدا من أصل 250 مشهدا".

وعن مناقب الراحل، قال: "ماجد حاصل على السند المتصل لرسول الله في رواية حفص عن عاصم، وكان يحافظ على صلاة الجماعة بشكل دائم، وعلى صيام يومي الاثنين والخميس".

وأضاف: "رغم عصبية ماجد وحدته في موقع العمل، إلا أنه يمتلك قلبا طيبا، وهو صاحب خلق ودين، سليم الصدر، ولا يحب المجالس التي تنتقص من شأن المنافسين من زملاء المهنة".

أرشيف غني

ومن الأرشيف الفني الذي تركه جندية في رصيد مكتبة السينما الفلسطينية، مشاركته بالتمثيل في عدة أفلام ألمانية وأسبانية، ومنها "الغجري" و "الإنسان البدائي" و "رجل البار"، وأخرى في فلسطين منها "فيلم الإسعاف".

وقد عمل مساعد مخرج وممثلا في أعمال فلسطينية منها المسلسل البدوي "درب الشوق"، والمسلسل الدرامي "وأنت يا قدس" والفيلم الروائي "نزيف القلب".

ومن أعمال جندية الإخراجية في الأفلام الوثائقية "تصفية"، و "فرصة عمل"، و"الأمل والطموح"، و"إعدام مخيم"، و "غزة تحت الحصار" وهو مكوّن من ثلاثة أجزاء، وسلسلة وثائقية من إنتاج قناة أقرأ الفضائية بعنوان "عائدون"، وهي مكونة من عشر حلقات، مدة الحلقة 26 دقيقة، وكذلك السلسلة الوثائقية "مرابطون" لصالح قناة العالم الفضائية، وهي مكونة من سبعة أجزاء، وغيرها الكثير من الأعمال.