إقرأ المزيد


​"المدرسة الكمالية" معلمٌ أثري يعاني الإهمال

مقر مدرسة الكمالية (أرشيف)
غزة - نسمة حمتو

تُعدّ "المدرسة الكمالية" من المدارس الأولى في فلسطين، بُنيت في العهد الأيوبي، وبقيت مُستخدمًا حتى نهاية العهد العثماني، وكانت بمنزلة صرح كبير للفقراء في تلك المدة، وتحولت بعد ذلك إلى مدرسة للبنات في عهد فهمي بيك الحسيني، بقيت هذه المدرسة إلى يومنا هذا، ولكنها الآن مهجورة وليس لوزارة السياحة والآثار سيطرة عليها، بسبب خلافات مع العائلات المالكة للمكان.

"فلسطين" زارت المدرسة، ورصدت ما وصل إليه حالها اليوم:

تقع المدرسة الكمالية في محافظة غزة، وتحديدًا في حي البلدة القديمة، بالقرب من شارع عمر المختار الذي يحدها من الشمال، ومن الجنوب يحدّها شارع الكمالية، ومن الشرق والغرب محال تجارية، وأنشئت سنة 1237م.

حالها اليوم

توجهنا إلى المدرسة، فلاحظنا أن المكان مهجور تمامًا، ووجدنا بعض علب السجائر الفارغة والحقن، ما يدل على احتمال تردد متعاطين إلى المكان، الذي استغلته أيضًا المحال الملاصقة للمدرسة لإلقاء القمامة فيه، وفي القسم الثاني من المدرسة تعيش عائلة غزية منذ 50 عامًا.

وقال أحمد الرزي أحد القاطنين في هذا المنزل: "لا نعرف المالك الحقيقي للمنزل، فقد استأجره جدي من آل الشرفا، وكان يدفع قيمة إيجاره للبلدية، ثم أبلغتنا البلدية أن المالك لا يتواصل معها لتسلم المبلغ الذي ندفعه، فتوقفنا عن الدفع".

إدراكًا لقيمتها

وقال المدير العام للآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة والآثار جمال أبو ريدة: "إن هذه المدرسة تعود إلى العصر المملوكي، أطلق عليها اسم المدرسة الكاملية (الكمالية) نسبة إلى مؤسسها الملك الكامل بن الملك العادل حاكم الدولة الأيوبية".

وأضاف أبو ريدة لـ"فلسطين": "إن المدرسة بُنيت في عهد الدولة الأيوبية، وقد استخدمت مدرسة منذ إنشائها لإيواء الفقراء وطلبة العلم وأبناء السبيل، وكانت ملكية عامة للدولة منذ العهد الأيوبي، وبقيت على هذا الحال حتى انتهى عهد الدولة الأيوبية".

وتابع: "ثم جاء المماليك من بعدهم، وتوالت عليها الدول وبقيت ملكية عامة لم يملكها أحد، وشهدت هذه المدرسة أحداثًا تاريخية مهمة منذ عهد الدولة الأيوبية, منها معركة بين الصليبين والجيش المصري، ومعارك المسلمين مع التتار".

وأكمل: "أدرك الأيوبيون بصفة عامة أهمية المدارس للتفقه في الدين ومن بعدهم المماليك الذين ارتقوا بالمدارس تنظيمًا وإدارة، وأوقفوا مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والعقارات للصرف عليها, لذلك بُنيت المدرسة الكاملية من أجل التعلم والتفقه في الدين، وبقيت تُستخدم لهذا الغرض حتى وقت قريب، إلى أن اندثرت معظم هذه المدارس ولم تعد باقية في يومنا هذا".

يمكن ترميمها

وبيّن أبو ريدة أن "هذه المدرسة تتكون من طابقين، مساحة الطابق الأول 573.2 م2، تقع المدرسة في حي الزيتون شارع الكمالية، وهي ملاصقة لبيوت سكنية من أربع جهات، والواجهة الرئيسة للمدرسة منتظمة الشكل مبنية من الحجر الرملي، والباب الرئيس بها يعلوه قوس مدبب من الحجر الرخامي منقوش عليه بعض الزخارف، أما الواجهات الأخرى للبيت فلا يمكن رؤيتها من الخارج، وذلك لأنها متصلة بالبيوت المجاورة لها".

وأشار إلى أن نمط المدرسة يتميز بتشكيل مجموعة من الغرف و"الأواوين" في طابقين يطلان على فناء واسع، وتفتح بعض الغرف على الفناء مباشرة، في حين تفتح معظمها على فراغ موزع شبيه بالإيوان.

وقال أبو ريدة: "خُططت فراغات المدرسة لتكون موجهة إلى الداخل تجاه الفناء، وتُفتح الغرف على الفناء بفتحات مختلفة الشكل، منها الشكل المستطيل لشبابيك الغرف, والقوس المدبب الكبير للإيوان, وأقواس مدببة محمولة على أعمدة من الحجر في الطابق العلوي تفصل بين الممر المؤدي إلى الغرف والفناء, والمدرسة مبنية بالحجر الرملي، ومسقوفة بعقود متقاطعة، وهي في حالة غير سيئة نسبيًّا ويمكن ترميمها والاستفادة منها".

وأضاف: "مادة الإنشاء تختلف من مكان إلى آخر بشكل يوحي بالرقي في عملية البناء، حيث استخدم الحجر الرخامي أعلى منسوب الأبواب، ثم أكمل بحجر رملي حتى السطح، وقد كان هناك دقة في تصنيع الحجر والتناغم والتشابه إلى حد كبير بين أحجام الأحجار المستخدمة، أما جدرانها فهي من الحجر الرملي تعلوها أكتاف حاملة متقاطعة، وهي الأساس في نظام التغطية الإنشائية في تلك المدة، وبها فتحات ذات سمك مختلف تبعًا لطبيعة الاستخدام".

أضرار وإهمال

وبحسب إفادة أبو ريدة إن المدرسة تعاني من عدة مشاكل، أبرزها أضرار إنشائية تتمثل في وجود شروخ وتصدعات في الحوائط والأسقف، ناتجة عن "عدم اتزان في البيئة المحيطة"، إضافة إلى أضرار معمارية، كوجود كميات كبيرة من الأوساخ والأتربة داخل الفناء الداخلي نتيجة هجران المكان مدة طويلة، وتغير في شكل الحجر نتيجة الأضرار الواقعة عليه بسبب تراكم الأملاح بفعل العوامل الجوية، وأضرار ميكانيكية ناتجة عن الاهتزازات المحيطة بالمبنى، كحركة السيارات، لوقوعه على الشارع العام.

وفيما يتعلق بإهمال هذا المكان الأثري قال: "طرقنا أكثر من باب بخصوص إعادة ترميم المدرسة، ولكن توجد مشكلة في الملكية، وهناك بعض المعلومات تتحدث عن وجود تنازل عنها من وزارة الأوقاف أيام الحكم المصري لبعض العائلات في غزة، ومع أنها المدرسة الوحيدة التي تعود إلى العهد الأيوبي لم تستطع وزارة السياحة إعادة ترميمها".