​المعادلة الفلسطينية في الأزمة الخليجية

د . أحمد الشقاقي
أحد ١١ ٠٦ / ٢٠١٧

كشفت الأزمة الخليجية عمق الخلافات العربية بعد أن أصبح التعهد الأمريكي المفتوح للأنظمة العربية بحمايتها يعمل وفق قواعد جديدة عنوانها الدفع والجزية، وبعد أن أدى بعضهم دوره المطلوب منه تعود أسواق المنافسة مع الحليف الأمريكي للاحتدام وفق الأرقام المليارية المعلنة.

غير أن هذه الأزمة في تفاصيلها الخارجية كشفت توجهًا خطيرًا لدى بعض الأنظمة إلى التطبيع العلني مع كيان الاحتلال، إضافة إلى تبني الرواية الصهيونية للصراع، وعكس منطق الإرهاب وإسقاطه على الشعب المقاوم بدلًا من بطش الاحتلال وعدوانه المستمر.

فوضى السياسة التي صنعها ترامب جعلته الرجل القادر على ضبط "أزلام" الولايات المتحدة في المنطقة، وتخييرهم بين الفناء والبقاء، على حساب الجيوب العربية، وويلات أطفال الشام واليمن، وصرخات الأمهات في العراق، ووجع المنسيين في أزقة قاهرة المعز، والمعذبين في فلسطين المحتلة.

الفريق السعودي الذي يقود دفة المشهد حاليًّا بدأت أطراف محسوبة عليه بشكل مباشر تجاهر علنًا بعلاقاتها مع كيان الاحتلال، وأمام سرعة وتيرة المشهد تتشكل مواقف رسمية تجاه الاحتلال تخالف المنطق حتى المواقف العربية الرسمية.

هذا الفريق وجد أنه مطالب بدفع "الجزية" للوالي الأمريكي الجديد، وبالمقابل رأى في نفسه بعد كل هذه الفاتورة الأَولى ببسط الهيمنة على الأرض العربية، بعد أن حظي بجرعة من الثقة الأمريكية، ووجد لنفسه مساحة يهاجم فيها شقيقه العربي الذي أزعج بعضهم بسبب أدواره في المحيط العربي.

أما قطر التي احتضنت الأسرة الإخوانية فوجدت أنها أمام حصار عربي لم تتمكن حتى الآن من استيعابه، وشن عليها حليفها الإستراتيجي هجومًا وطالبها بوقف دعم "الإرهاب".

الاتهامات الموجهة إلى قطر بدعم حركة حماس تحدث في النفس مزيدًا من الألم على الواقع العربي؛ فالشوارع العربية التي خرجت تنتفض في وجه أنظمتها كانت تحمل همّ فلسطين والأقصى، وهو ما يؤكد أن ثورات الشارع العربي قد حرفت عن مسارها وضلت طريقها.

إن الزج بحركات المقاومة الفلسطينية في ساحات الصراع الخليجي يجعلنا أمام مجموعة من محددات المشهد السياسي، تفرضها ظروف الواقع الحالي:

أولًا: خروج قطر من الفريق الخليجي يدفعها باتجاه الطرف الإيراني المرتبط بحركات المقاومة الفلسطينية، وإن كانت قطر الرسمية تتردد في هذا الخيار فإنها من الممكن أن تلوح بورقة إيران في حدود المسموح أمريكيًّا وإسرائيليًّا، بعيدًا عن علاقات إستراتيجية، وفق محطات تفاهم تكتيكية.

ثانيًا: الدعم القطري لحركة حماس عنوانه الحكومة فقط، أما العناوين الأخرى داخل حماس فشبكة الاتصالات القطرية لا تدركها، وعلى هذا إن عامل دعم مهمًّا لبرامج تعبيد الشوارع، وإنارة بيوت غزة أربع أو خمس ساعات سيصبح معرضًا للانهيار في أي لحظة.

ثالثًا: الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية من الأزمة الذي يقع في دائرة الحياد يجعلنا نفتش في أسباب هذا الحياد، مع الهجوم على حركة حماس في خضم هذا الأزمة، فالموقع الذي اختارته السلطة جاء متوافقًا مع مصالح شخصية لمن يمتلك الجنسية القطرية وتضم أراضيها أملاكه.

رابعًا: حركة حماس بصفتها تنظيمًا مقاومًا أدركت عمق الأزمة العربية، وبذلك إن خيارات ما بعد الأزمة أصبحت واضحة تجاه السعودية التي ترى فيها إرهابًا، وقطر المعاقبة لدعم حكومتها، وهذا يعني أن حركة المقاومة الإسلامية مطالبة بأن تقدم جديدًا في علاقاتها السياسية مع حلفائها الإستراتيجيين بالمنطقة والعالم.

خامسًا: التخوف الرئيس من الأزمة الخليجية أن تكون جزءًا من برنامج تسوية شاملة يرتبط بمفاوضات "خمسة خمسة" مع الجانب الأمريكي، وبذلك فرض حلول للصراع في إطار صفقة القرن، لأن ذلك يعني أن واقعًا سياسيًّا جديدًا سيفرض، ومن يعارضه فسيتهم بالإرهاب ويعاقب بأيدٍ محلية.

إن المخاض الذي تمر به المنطقة العربية بوجه عام يذهب بنا نحو مشهد جديد، بعد أن انطوت صفحة الثورات باستنزاف الشعوب العربية وجعلها مثقلة بهمومها الداخلية، ويعتقد من يرسم المشهد أن هذه الفرصة هي الأنسب للانقضاض السياسي على القضية المركزية، وفرض حلول للصراع في لحظات الوهن العربي.

الأزمة الخليجية _سواء انتهت باستجابة قطر للمطالب السعودية، أم تفاقمت في ظل رفض قطري لهذه الاشتراطات_ تستدعي من الأطراف الفلسطينية أن تدرك أن عالم السياسة متقلب، ويمكن أن ينحرف بصورة كاملة بسرعة البرق، وهذا يستوجب من أصحاب برنامج المقاومة أن يعيدوا حساباتهم تجاه الظروف الداخلية، وكذلك تجاه حلفاء المقاومة.