إقرأ المزيد


​الكتابة الإبداعية على مواقع التواصل.. أصولٌ وضوابط

صورة تعبيرية
غزة - هدى الدلو

تعبر الكتابة الإبداعية عن رؤى الشخص وانفعالاته وتجاربه الخاصة، فهي ابتكارٌ وتأليف، لا تكرار وتقليد، ولكن تختلف من شخص لآخر حسب المهارات والخبرات التي يمتلكها، فــــــــ "الكتابة الإبداعية" اتخذت منحى جديدا عبر "مواقع التواصل"، فقد اتخذ القائمون عليها من صفحاتهم الشخصية منبرًا للتعبير عن ذواتهم، فهذه المواهب وجدَت لها نافذةً لتوصيل الأفكار إلى أكبر عددٍ من المستخدمين.

فما أهمية الكتابة الإبداعية على هذه المواقع؟، وما هي الضوابط والقواعد التي تحكم عملية الكتابة الابداعية؟، وهل يمكن أن تعد مجالًا للتسلية أم فرصة عملٍ للشباب في ظل ارتفاع معدلات البطالة؟، هذا ما سنجيب عنه من خلال السياق التالي:

أداة للتعبير

سعيد قديح؛ معروفٌ بنشاطه في كتابة منشورات متنوعة على حسابه الشخصي عبر موقع الفيس بوك، يقول لـــــــ"مراسلة فلسطين": "الإبداع مطلوبٌ في كل مجال، ومن المهم أن يُنتج ليبهر هذا العالم، والكتابة ذاتها أداةٌ للتعبير عما في قلب المبدع، فمن خلالها يمكنه التعبير عن أفكاره كيفما أراد، وفي نفس الوقت يتوجب أن يكون على دراية بضرورات المحتوى الجيّد، والإيجاز، واختزال أكبر قدرٍ من المعاني بأقل قدرٍ من الكلمات، والوضوح".

وأوضح أن الإبداع لا يقتصر على مجالٍ واحد: "نرى الذي يكتب في الصحافة، والإعلان، والاقتصاد، والصحة والجمال، والثقافة كذلك".

وأضاف قديح: "للكتابة عبر صفحات التواصل مواصفات تميزها عن غيرها من المواقع، ذلك أن الناس تتجنب المحتوى الطويل الذي يُشعرهم بالملل، فعلى المبدع أن يقدم محتوىً واضحا، يُفضل أن يكون مُدمجا مع صور ووسائط لتكون الصورة كاملة، أيضًا صفحات التواصل تعتمد في بيئتها على المعلومات السريعة وليست تلك المعمّقة، فمن خلال معلومةٍ سريعة أجدها على فيس بوك مثلًا أن أبحث في الشبكة وأذهب إلى موقع يحوي تلك المعمّقة وهذا ربط جميل".

وبين أنه في الكتابة الإبداعية يُعبر الكاتب عما بداخله بطريقة جديدة، بأسلوب غير مكرر، بوضوح تام، بإيجاز، بمفردات عميقة وغير معقدة، فهي وسيلة للتعبير عما بداخل الفرد، لكن ليس كل مستخدم لصفحات التواصل يتقنها ويتفنن بها، ووراء كل كتابة مبدعة بالتأكيد مثقف ذو مُخيلة واسعة وذائقة لغوية رصينة في القراءة والاطلاع والبحث، وصاحب فضول.

وتابع قديح حديثه: "لا يمكن حصرها بين التسلية والمهنة، فالمبدع يستطيع أن يتلاعب بكلماته وهو يعي ما تحويه وما ستعبر عنه، وإن كانت لديه القدرة الابداعية هذه فله الحق في أن يستغلها في عملٍ أو وظيفة، هذا حقه".

وأشار إلى أنه يمكن استغلال مهارة الكتابة الإبداعية في افتتاح مشروع يقدم خدمات الكتابة الإبداعية للشركات أو للمعنيين، ككتابة خطابات عمل، أو طلب تمويل، أو المراسلات بين الشركات والمؤسسات ذات العلاقة في العمل أو السيناريوهات.

وعن سبب نجاحه، يضيف: "معية الله فوق كل شيء، والإيجاز سبب، ثم طرح موضوعات تمس حياة الناس وتؤثر بهم ايجابًا، وأيضًا وتقديم موضوعات خفيفة بتعليق شخصي تفاعلي، ومتابعة تعليقات القرّاء، وارفاق المصادر، وصولًا إلى التسلسل في الطرح".

لا ضوابط

وفي السياق ذاته، قال مدرب المهارات الحياتية محمد أبو القمبز: "في الإعلام الاجتماعي نجد العامل الأساسي لمدى تأثيره هو المحتوى المعروض، سواء كان أدبيا، أو محتوى تسويقيا بشكل مختلف، ونظرًا لأهمية ذلك فقد ظهرت وظائف لكتابة المحتوى الإبداعي ليجذب الجمهور والعملاء.

ولفت إلى أن الكتابة الإبداعية أصبحت جزءا رئيسيا، وتطورت في كتابة محتوى مرئي، وظهرت "ظاهرة المؤثرين" في مواقع التواصل الاجتماعي، موضحًا أن البعض نجح في الحصول على فرص عمل، ومكانة اجتماعية وخدمة الآخرين.

وبين أبو القمبز أنه أتاح فرصة للتفاعل مع الآخرين، وتقديم الخدمات، حتى الأدباء جعلوا من المواقع الاجتماعية وسيلةً لتوسيع قاعدتهم الجماهيرية، مؤكدًا أن لا ضوابط تحكم الكتابة الإبداعية على مواقع التواصل الاجتماعي كالشعر الحر، لكن هناك قواعد لكل منصة الكترونية، واختيار الوقت المناسب.

شخصية الكاتب وثقافته

ومن جهته، قال الكاتب والشاعر عمر أبو شاويش: "تكمن أهمية الكتابة الإبداعية على مواقع التواصل الاجتماعي في طريقة طرح الفكرة المؤثرة بشكل يختلف عن الطريقة النمطية في الكتابة، بحيث يعمل المدون على التعبير عما يدور بداخله من أفكار ومشاعر وأحاسيس بطريقة حيوية تجذب القرّاء وتدفعهم إلى متابعة كتاباته بشكل دائم ومستمر، خاصة تلك التدوينات التي تعتمد على الاختصار والاختزال، لكنها ذات معنى جاذب وجميل".

وأضاف: "إلى جانب أنها تعطي المساحة الصديقة للكاتب بأن يعبر بطريقة سلسة وواضحة ومفهومة، بأسلوب فني إبداعي يرجع إلى ملكية الكاتب وثقافته الشخصية وعمقه في الأفكار وطلاقة المعاني والرسالة".

ولفت أبو شاويش: "بلا شكٍ فإن الكتابة الإبداعية تُنمي التفكير الإبداعي للتعامل مع المواقف الحياتية والمشكلات وإيجاد حلول متجددة لها، وهذا يسهم في صقل شخصية الكاتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لاكتساب الخبرات الذاتية وتجسيدها من تجاربه ومواقفه لنصوص وتدوينات ذات طابع إبداعي يعبر عنها ويشعر بها.

وتابع حديثه: "في الحقيقة لا توجد مجالات محددة، فالكتابة الإبداعية تشمل جميع المجالات الثقافية والأدبية والفكرية والرياضية والاقتصادية والسياسية وكافة الثقافات، لأن الأمر مرتبط بقدرة الكاتب على التكيف مع هذه المجالات والتعبير عنها بفلسفة إبداعية للقارئ، وفي المقابل لا شك أن أفضل هذه المجالات بطابعٍ ثقافي وأدبي وفكري".

وأكد أبو شاويش أن هناك اختلافا كبيرا بين الكتابة الإبداعية والكتابة العادية، حيث إن الكتابة الإبداعية تكون ذات طابع فني مشوق وجذاب، وتحمل أفكارا ومعاني جديدة تظهر ما هو غير مألوف وغير اعتيادي وتجذب القارئ بشكل دائم.

وأوضح أن الضوابط التي تحكم عملية الكتابة الإبداعية تعود أيضًا لثقافة الكاتب والمدون نفسه، ولكن هناك معايير وضوابط يجب مراعاتها أثناء عملية الكتابة، مثلاً طلاقة الكاتب، وقدرته على توليد أكثر من فكرة إبداعية في النص أو "التدوينة"، وهنا أقصد طلاقة الأفكار والكلمات والمعاني، إلى جانب المرونة لدى الكاتب وهي قدرته على تغيير حالته الذهنية بتغير الآراء والأفكار والنقاش المضاد، وهذا يطلق عليه التفكير التباعدي المنافي تمامًا للجمود والصلابة والتمسك بالموقف أو الرأي والتعصب له.

واستكمل: "ثم نأتي إلى الأصالة وهي الإنتاج غير المألوف للفكرة، ونطلق عليها فكرة أصيلة، أي أنها غير مرتبطة بالأفكار الشائعة وتتصف بالتميز، وهذا الكاتب صاحب الفكر الأصيل هو الذي يمل من استخدام الأفكار المتكررة خلال الكتابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ونجده حتى يتفاعل مع تدوينات متجددة بالفكرة وطريقة الطرح".

وبين أبو شاويش أن الكتابة الإبداعية هي مساحة أصيلة للناس عبر مواقع التواصل، تعطيهم القدرة على التعبير وطرح الأفكار بلباقة ورقي، وتقديم حلول للمشكلات المجتمعية أو التعبير عن الظواهر المجتمعية، والكتابة بطلاقة وسلاسة دون أي صعوبات أو تعقيدات.

ونصح منتسبي هذه المواقع بالثقافة العالية وشخصية الإنسان القارئ المثقف، والمشاركة في دورات الكتابة الإبداعية لصقل الشخصية وتهذيب القلم وتوسيع المدارك والأفق والتفكير بشكل غير اعتيادي روتيني.

ويرفض أن تكون الكتابة الإبداعية للتسلية فحسب، لأنها مفهوم حضاري يعكس الأناقة الفكرية للكاتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولا شك أنه في بعض الأحيان يستطيع المدون أن يعبر عن آراءه الجادة بطريقةٍ ساخرة، لكن هي بالأساس ليست للتسلية، إنما أسلوب فني أدبي حياتي له مهارات خاصة وقدرة خاصة؛ لذلك يختلف المبدع عن العادي عند الكتابة أو التعبير.

"قد تتيح فرصة عمل لفئة الشباب، ولا عجب أن الإعلام الاجتماعي أصبح يشكل منصة مهمة لمختلف الشركات والمؤسسات والصحف والمحال التجارية، ودائمًا يسعى أصحاب هذه الشركات إلى إيجاد وسائل إعلانية ودعائية عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يتيح أن تكون الفرصة أكبر لأصحاب الكتابة الإبداعية أن ينخرطوا بهذه الوظائف، بدءًا بقدرتهم على إدارة الصفحات، أو صناعة محتوى مميز وجاذب للقرّاء ومؤثر، وتكون لديهم الكفاءة والذكاء عاليين في التعبير عن أي منشور أو الترويج لأي شيء يخص هذه الشركات، لأن الكتابة لا تكون اعتيادية، بل بشكل فني جاذب ومشوّق"، وفق قول أبو شاويش.

وذكر أن الكاتب أو المدون عليه أن يحسن استثمارها بشكل متزنٍ وإبداعي، إلى جانب وضع بصمة له في كافة الصفحات لجذب أصحاب العمل له، وأيضاً إجراء عملية بحث شاملة عن الشركات التي ترغب بتوظيف كتّاب ومدونين لصفحاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.