​الخطوبة بين الزيف والوضوح

نجوى سعدي غانم
ثلاثاء ١٤ ١١ / ٢٠١٧
غزة- فلسطين أون لاين

تسود المجتمعات على اختلاف ألوانها ودياناتها وثقافاتها صفة مشتركة تطفو على سطح العلاقات بين المقبلين على الزواج وهي التصنع, إذ لا تكاد علاقة تخلو منها وإن تفاوتت النسب, سواء في إخفاء الصفات الحقيقية للشخصية أو في المبادرة لإرضاء الآخر, أو ردود الفعل حيال مواقف وأفكار وعادات معينة, بغية المضي قدماً في العلاقة دون حدوث صدام من وجهة نظر الخطيبين لأنهما بغنى عنه, وهما بذلك يضيعان فرصة الاستفادة من هذه العلاقة الهامة جدا بأكبر قدر ممكن لتقريب وجهات النظر وتمتين العلاقة المقدسة ومناقشة الموضوعات الجوهرية بصراحة وصدق.

وجهة نظر الإسلام

يرى الشرع أن الخطوبة وعد بالزواج, وفرصة شرعية لدراسة شخصية كل طرف للآخر في إطار الأسرة, حتى يصلا إلى قرار الزواج, دون مشاكل أو خروج عن آداب الإسلام. ولقد منح الإسلام هذه الفرصة للخطيبين لرؤية بعضهما عن قرب؛ لكي يحدث القبول والاحترام والحب لإتمام خطوة الزواج. وإن لم يحدث القبول والتفاهم يفترقا دون أن يصيب أحدهما ضرر كالذي يحدث إذا ما حدث الانفصال بعد العقد ووجود الأبناء.

لتسقط الأقنعة

من الضروري جداً أن يكون التعامل أثناء فترة الخطوبة بنية صادقة, لبناء حياة جديدة مستقرة ناجحة, ولذلك يجب أن يكون التعامل دون تكلف أو مثالية أو زيف, ويكون الخطيبان على طبيعتهما دون الحاجة لارتداء قناع ليخفي حقيقة كل منهما عن الآخر بغية إرضائه أو إبهاره, ومهما كان القناع مزخرفاً فإنه سيسقط لا محالة وتظهر الصفات الحقيقية للشخص التي قد لا يتقبلها الآخر, وعندها تنتهي العلاقة بينهما.

ولهذا يجب أن يتخلى الخطيبان عن التجمل والزيف والتصنع وارتداء الأقنعة, لكي يكون التعارف صادقاً والتقارب حقيقياً, فتقوى الروابط الروحية بينهما, وتحدد نقاط الاتفاق والاختلاف في الطباع والأفكار والسلوكيات, وتساعد على تلافي الخلاف, ويكون الزواج ناجحاً مبنياً على التفاهم التام.

لكل علاقة حدودها

تتمتع جميع العلاقات الإنسانية بحدود أخلاقية وضعها الدين أو المجتمع. والعلاقة بن الخطيبين هي الأعمق بين هذه العلاقات, لأنها الأساس في بناء الأسرة التي تعتبر نواة المجتمع, ولهذا من المهم أن يعرف كل من الخطيبين حدودهما في العلاقة فلا يتخطيانها.

وإن لم تكن هذه الحدود واضحة في فترة الخطوبة, فمن الصعب إيضاحها بعد الزواج واحترامها والالتزام بها. إن كل ما يحتاجه الخطيبان هو الحوار حول هذه الحدود للتفاهم حولها, والاتفاق عليها لكي تكون مقدمة لالتزامات كثيرة سيلتزم كل منهما تجاه الآخر, وهي التي ستضمن استمرار العلاقة السليمة بينهما.

لنظهر أسوأ ما لدينا

إن تصرف كل من الخطيبين على طبيعته وسجيته يجعل أمامهما فرصة جيدة للتعارف الواضح, والتفاهم الحقيقي, وقد يشوب تصرفهما بعض المواربة أو ضبط النفس أو إخفاء الصفات السيئة, وذلك لعدم استفزاز الآخر والتسبب في المشاكل والخلاف, ولكن كلاهما يجهل إن تعمد ذلك أنه يفقد الآخر القدرة على فهمه حيث يخفي بعضاً من صفحات الكتالوج الخاص به عن شريكه, والذي بدوره لن يتمكن من فهمه بشكل صحيح، وبالتالي لن يحسن التعامل معه وتقبل ما لديه من سلبيات إن لزم الأمر واستحال التغيير أو التعديل.

الحوار للتفاهم وليس للخلاف

كثيراً ما نلاحظ محاولات حثيثة لفرض السيطرة من قبل أحد الخطيبين على الآخر, خاصة من جانب الرجل وتتعدد أسباب تلك الرغبة في الهيمنة ما بين نفسية وثقافية ومجتمعية, وأيا كانت الأسباب فالنتائج غير مرضية في كل الأحوال. حيث تعد المحاولة لفرض السيطرة على الآخر إعلاناً مبطناً لإلغائه واحتكار القرار من قبل طرف واحد بشأن قضايا تخص وتهم اثنين هو أحدهما.

وهنا وجب على كل من الخطيبين الوعي لأهمية الحوار لا للاختلاف والشقاق ولكن للتفاهم والتوصل لتسوية لكل المسائل العالقة بينهما, ويجب أن يدرك كل من الخطيبين خاصة الرجل أن لا أحد يمتلك حياة وفكر ومشاعر شخص بمجرد الاقتران به.

لا تتنازل إن كنت مصيباً

إن من أخطر الخطوات التي يقدم عليها الخطيبان هي التنازل من أجل الآخر وذلك لإرضائه بغير قناعة برأيه أو مع التسليم بخطئه, وتعتبر هذه الخطوة هي المقدمة لسلسلة من التنازلات التي ستسحق العقل والذات والروح للمتنازل وتوصل الطرفين لمنعطف لا يمكن الرجوع منه أو استمرار الحياة المستقرة عنده.

ولهذا يجب ألا يتنازل أي طرف للآخر بغير اقتناع أو تفكير عميق, خاصة لو كان التنازل على حساب المبادئ والأخلاق والشرع.