​الكفيف النجار.. بنور البصيرة شق طريق التفوق بـ"94.7%

محمد النجار
غزة - هدى الدلو

بنور البصيرة شق طريقه المظلم، فلا عثرات تقف أمام الإرادة والتحدي والإصرار حتى تحقيق الهدف الأكبر وتسجيل هدف مدروس في مرمى الحياة من خلال إحراز تفوق دراسي في تلك المرحلة المصيرية الثانوية العامة، خاصة مع إيمانه اليقين بأنه لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة، وحصل على معدل 94.7% في فرع العلوم الإنسانية، والمرتبة الأولى على مدرسة أحمد ياسين، رغم الظروف الصحية التي يمر بها بعد فقدانه لنعمة البصر بشكل كامل، وهو حافظ لكتاب الله.

صدمة النتيجة

الطالب الكفيف محمد يوسف النجار من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، أصبح للنجاح والتفوق في امتحانات الثانوية العامة الإنجاز توجيهي 2018 عنوانًا، متجاهلًا الإعاقة التي يعاني منها، وقد تغلب على الصعوبات التي واجهته خلال العام الدراسي.

لحظة استقباله للنتيجة تفاجأ، وتسرب الحزن إلى قلبه، وقال: "لم أكن أتوقع نتيجتي، فوفق مراجعتي بعد تقديمي للامتحانات وحسابي لمعدلي كنت متوقع 98.5%، فبمجرد سماعي للنتيجة صدمت وظهرت على ملامحي علامات الحزن".

ولكن لمة عائلته حوله وتجمع أقاربه وأصدقائه، وسماعه لصوت أغاني الناجحين، وجلب أهله للحلوى والعصائر، عملوا على إخراجه من جو الحزن كي لا يتركوه وحيدًا دون الشعور بفرحة التفوق وإدخال النجاح إلى قلبه بعد عام طويل من السهر والتعب والاجتهاد.

الحادثة الموجعة

ويستذكر النجار الحادث الأليم الذي قلب حياته رأسًا على عقب، حيث تعرض لحادث سير وهو في السادسة من عمره، أودى به إلى فقدان البصر بشكل كامل، لم يستسلم هو وعائلته لذلك، فطرقوا أبواب العلاج في رحلات وصفت بالمتعبة والشاقة والطويلة، فقد أجرى عدة عمليات في داخل فلسطين وخارجها، ولكن في كل مرة كان يعود دون أمل بعودة بصره.

تقبل بما أهداه إياه القدر رغم مرارته وصعوبة تقبله، ولكنه عاهد نفسه بأن لا تكسره هذه الحادثة، أو تضعه في خانة العالة على المجتمع، بل جعل منها وسامًا للعزيمة والإرادة والإصرار على تحقيق التفوق والنجاح، ليثبت لمن حوله أن الإعاقة هي إعاقة العقل، أما إعاقة الجسد فلن تثني عن تحقيق الإنسان لما يصبو إليه، وإثبات قدرته وكفاءته.

وأضاف: "وعلى إثر الحادثة الأليمة انتقلتُ للدراسة في مدارس خاصة حتى صف الثاني الثانوي مستخدمًا طريقة "برايل" للتعلم، وفي الثانوية العامة انتقلت للدراسة في مدرسة للثانوية للأشخاص العاديين مستخدمًا ذات الطريقة في التعليم، وكانت بداية الاندماج مع المبصرين من زملائه".

عام كأي عام

وقد اعتمد النجار في دراسته هذا العام على تنظيم وقته، والنظام التدريجي في الدراسة، فبدأ عامه الدراسي بدراسة ساعتين في اليوم، وأصبح يزيد من عدد الساعات يومًا تلو الآخر حتى وصل عدد ساعات الدراسة إلى 12 ساعة.

وبين أن سبب فشل بعض الطلبة بهذا العام الدراسي هو عدم تعامله معه كأي عام، بل يجعلون منه كابوسًا مرعبًا مما يسبب التوتر والقلق للطالب وأهله، مشيرًا إلى أن كل ما على الطالب فعله هو التركيز وتكثيف ساعات الدراسة حتى يصل إلى التفوق والهدف المنشود.

ولابد من عثرات في الطريق، وصعوبات من أهمها، تابع النجار حديثه: "في مرحلة الثانوية العامة يلتحق الطالب في مدارس المبصرين بعد أحد عشر عامًا من الدراسة في المدارس الخاصة، وصحيح أنها مرحلة تؤهله للالتحاق بالجامعة، ولكن الأفضل أن يكون صف الثاني ثانوي مع الطلبة المبصرين ليتمكن الطالب الكفيف من الاندماج".

ونوه إلى أن أكثر ما كان يعاني منه في هذه المرحلة هو عندما يكتب المدرس شرحًا على السبورة ولا يستطيع أن يكتب كباقي الطلاب، فيضطر إلى استعارة كراسات زملائه كل نهاية أسبوع، ويتولى أحد من أفراد عائلته مهمة إملائه لكي يقوم بالطباعة على آلة "برايل"، وكان هذا الأمر يأخذ منه وقتًا كبيرًا.

وقد وفرت له وزارة التربية والتعليم الكتب الخاصة بالمنهاج الدراسي بلغته، وتخصيص لجنة خاصة لتقديم الامتحانات، كما وفرت له كاتبا خاصا لتدوين إجاباته، ولكنه كان يأمل أن يكتبها بيده ليستطيع أن يعبر عما بداخله، خاصة في موضوع التعبير، والأسئلة التي تحتاج إلى الشرح.

يأمل إكمال تعليمه الجامعي في الخارج ودراسة العلوم السياسية، أو القانون ليدون تجربة جديدة مع زملاء جدد، وتعلم لغة جديدة، ثم يعود بشهادته ليخدم وطنه ويدافع عن حقوقه.

وأوصل رسالة للطلبة العاديين بضرورة استثمار نعمة الصحة بالاجتهاد والمثابرة من أجل تحقيق التفوق والنجاح، وعلى الطلبة المكفوفين التمسك بالعلم والتعليم فهو سلاحهم الوحيد في سبيل الدفاع عن حقوقهم، وبالتحدي والاجتهاد ستهزم الإعاقة.