إقرأ المزيد


​أثبت كفاءته في الاعتصام

"الجكر".. سلاحٌ مقدسيٌ أنجبته الظروف

القدس المحتلة / غزة - فاطمة أبو حية

الأخبار التي كانت تُنقل تباعًا من الاعتصام حول المسجد الأقصى، حملت الكثير من التفاصيل الغريبة على من لم يعش تلك الأجواء، وكان من بينها "الجكر"، الذي كثر حديث المقدسيين عنه بنبرة فيها قدر عالٍ من الفخر، حتى وصفوه بأنه "رأس مالهم" في صراعهم مع الاحتلال، ومنهم من قال إن في القدس صلاة سادسة اسمها "جكر".

"الجكر" تلك الكلمة العامية التي يقترب معناها من "العناد"، أصبحت حاضرة في كثير من أحاديث المعتصمين، وسببا في كثير من تصرفاتهم، حتى أنها تحولت إلى وسم "هاشتاج" شائع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

من المشاهد التي بدا "الجكر" جليًا فيها، مقطع فيديو تم تداوله بكثرة لشاب صمم على إتمام السنة وحيدا بين الجنود وتحت بطشهم، يحيطون به ويعتدون عليه بينما هو مستمر في صلاته، ومسنٌ لم يجد مكانا أفضل للجلوس سوى أمام جمع من الجنود، وضع كرسيه، وجلس موجها نظره إليهم، حتى علّق البعض مازحا على الصورة: "مش هيك القبلة يا حاج.. بعرف بس بدي أجاكر الجنود"، وشباب يقفون عند أبواب القدس يطلبون من الجنود: "شيل البوابة الإلكترونية، بدي أفوت"، رغم علمه التام بأن إزالة البوابات لن تتم إلا بقرار سياسي، وحتى بعد دخول الأقصى، استمر "الجكر" ذاته، فتلك فتاة رفض الجنود السماح لها بإدخال الحلوى التي تحملها لتوزعها على المصلين وتهنئهم بالنصر، فلم يكن منها إلا أن ألقت بالحلوى في وجوههم ودخلت المسجد ضاحكة.

عن "الجكر" ومعناه ومواضع استخدامه وبعض مشاهده، تحدّثت "فلسطين" مع الناشط المقدسي "أسامة برهم"..

ولو الخسارة!

عن التعريف المقدسي الخاص بهذا المصطلح، يقول برهم: "يمكننا القول إنه بالعامية (تناحة الرأس)، وهو التحدي حتى لو كانت النتيجة الخسارة لا الربح، فالمهم هو الاستمرار في التحدي، ونحن في الاعتصام كنا نتعرض للضرب والقمع، ولا تلوح أي نتائج في الأفق، ومع ذلك نواصل اعتصامنا".

ويضيف لـ"فلسطين": "حياة المقدسي بحد ذاتها (جكر)، فمثلا، هو يعيش هذا النمط من الحياة عندما يستولي الاحتلال على كل البيوت المحيطة لبيته فيجد نفسه وسط بؤرة استيطانية، وعندما يضطر للانتظار عند الحواجز لساعات يوميا، وكذلك الحال بالطالب الذي يصر على الدراسة في مدارس القدس، والتاجر الذي يجلس في محله بالبلدة القديمة متقبلا الخسارة المادية، رغم قدرته على الربح من أي مهنة أخرى".

الخلاصة إذًا، أن "الجكر" صفة لا بد للمقدسي من حملها بفعل الظروف التي يعيشها، وهي نتاج يومياته التي يحتك فيها بجنود الاحتلال ويضطر خلالها للتعامل معهم.

وبحسب برهم، فإن هذه الصفة موجودة عند المقدسيين منذ زمن، ولكنها تبلورت وأصبحت أكثر وضوحا وتنظيما في أيام الاعتصام، مبينا: "ممارسة (الجكر) كانت تتم بشكل فردي، فمثلا أتبنى هذا السلوك عند حاجز ما، بينما من يقف إلى جواري يمر عبر الحاجز ذاته دون اعتراض، أما ما حصل في الاعتصام، فقد كان ثقافة أخرى، كان (الجكر) فيها سلوكا جماعيا منظما وشاملا".

وفقا لتحليله، فمن أسباب اعتماد "الجكر" سلوكا أساسيا في الاعتصام إصرار المقدسيين على النجاح في تحركهم، ودحض الصورة الخاطئة التي رسمها الاحتلال لسنوات للمقدسي، إلى جانب رغبتهم بأن يرى العالم رقي تجربتهم، هذا طبعا عدا الرسالة التي أرادوا أن يوصلوها للاحتلال.

في التفاصيل

الاعتصام بحد ذاته كان دليلا على "الجكر"، ولكن هذه الصفة تظهر أكثر وضوحا في كل تفاصيل الاعتصام، لذا نحاول رصد بعض هذه التفاصيل.

برهم الذي كان أول مقدسي يُصاب في الاعتصام، يحدّثنا عن "الجكر" في تفاصيل إصابته: "خشيت أن تؤثر صور المصابين على انضمام المقدسيين للاعتصام، ولكن ما حصل أن الأعداد كانت تزداد في كل يوم عن سابقه، حتى أن ابني ذا الاثني عشر عاما، الذي كان معي وهددني الجندي باعتقاله، لم ينقطع عن الاعتصام، رغم خوفه الشديد مما تعرض له".

من مشاهد "الجكر" الأخرى التي ينقلها لنا ضيفنا: "أكلنا كل شيء، أشهى الوجبات وأفخمها، أغلى أنواع الفاكهة، الحلوى بأصنافها، ناهيك عن المياه والعصائر الباردة والمثلجات، ومع ذلك لم يكن منها أي منتج إسرائيلي، حتى أننا أثرنا شهية جنود الاحتلال وغيظهم معا، فذات يوم هممت بتناول قطعة من البطيخ من شاب أوشكت الصينية التي حملها على الانتهاء، فأخبرني أن شابا آخر سيأتي بعده حاملا صينية جديدة، فإذا بجندي يقف إلى جوارنا يحدث آخر بالعبرية، ما ترجمته (البطيخ عندهم ما راح يخلص؟!)، قالها بنبرة فيها حُرقة واضحة".

يقول برهم: "واحدة من أكبر المتع كنا نستشعرها في الصلاة، رغم تعبنا خلالها، ذلك لأن منسوب (الجكر) فيها كان مرتفعا جدا".

ويضيف: "نظرا لعدم وجود سماعات، لم نكن نسمع القرآن الذي يتلوه الإمام، ولا دعاءه، فنكتفي بترديد (يا الله.. يا الله) أثناء الدعاء الذي كنا نقف فيه أكثر من عشر دقائق، حتى أننا كنا إذا أنهينا الصلاة نقول للإمام (هديتنا يا شيخ)، ومع كل هذا التعب نجد فرصتنا (للمجاكرة)".

ويتابع مفسّرا: "لكي ننغص على الاحتلال، كنا نقيم الصلاة في الشوارع التي يكثر مرور الجنود فيها، وأحيانا كنا نطيل فترة الصلاة ما بين الاستعداد لها وإقامتها والدعاء، وذلك لنغلق البلدة القديمة بصفوف المصلين، لمدة قد تصل إلى ساعة، وهذا ليس هينا على الاحتلال".

يستذكر برهم المزيد من شواهد "الجكر" مستمتعا: "أحيانا كانوا يغلقون علينا أحد أبواب القدس، فنضطر للسير لمسافة للدخول من باب آخر، وما إن ندخل المدينة، حتى نعود إلى الباب المغلق، ولكن هذه المرة من داخل القديم، لنغيظ الجندي الذي منعنا بأننا دخلنا رغم منعه".

ويوضح أن "الجكر" أحدث مفعولا في فتح باب حطة، رغم أن الضابط الإسرائيلي المسؤول عن الأقصى كان قد ردّ على الشباب الذين طالبوه بفتحه: "بالأحلام"، فاجتمعوا أمامه هاتفين بصوت واحد: "ما في دخول.. ما في دخول.. ولسة باب حطة مقفول".

ويبين: "حققنا كل ما نريد وبقي الباب مغلقا، ونحن نعلم أن هذا الإغلاق قد يستمر طويلا كعقوبة لنا على اعتصامنا، وبالتالي لم نقبل أن تُحسب هذه النقطة علينا، فاعتمدنا على (الجكر) لنكون كمن سدد هدفا في الدقيقة 90 من المباراة".

ويشير برهم إلى أن الكل المقدسي كان شريكا في "الجكر"، واجتمعوا على كلمة واحدة بعيدا عن أي خلافات فكرية، حتى أن المسنين الذين لم يطيقوا البعد عن الأقصى في بادئ الأمر ودخل عدد قليل منهم للمسجد في الأيام الثلاثة الأولى، تراجعوا وقرروا الاعتصام خارجه.

وعن المسنّات من النساء، يقول: "نزلت مع سيدتين بين النساء المعتصمات عند باب المجلس، قلت لهن: (قولوا الله.. زهقنا بدنا نفوت)، كدن يضربنني لرفضهن للفكرة التي أطرحها، ولولا أن إحداهن عرفتني وأدركت أنني أمازحهن، فتوقفن عن توبيخي".

"الجكر" كان حاضرا في اختيار الأبواب، فمثلا الاهتمام بالتواجد حول باب الأسباط، وقرار الدخول منه، قبيل التصميم على فتح حطة، يعود إلى رمزيته عند الاحتلال، فقد دخل الأقصى من خلاله موشيه ديان عام 1967، وكذلك بعض الأبواب كان من الصعب الصلاة عندها إلا في أوقات الازدحام كصلوات الجمعة، ولكنها كانت تعجّ بالآلاف في أيام الاعتصام.

وفي هذا "الجكر" متعة، فبحسب برهم، كان المعتصمون سعداء بالأجواء "العائلية" التي يعيشونها معًا، وبالتوحد الذي جرّبوه لأول مرة منذ زمن، وبالسلمية التي استخدموها فنجحت، والتي لم تكن تعني الاستسلام كما هو في قاموس البعض.