​"مظلوم" يضطر للوصول إليها متخفيًا

"الجانية".. أن تزرع وتحصد في أرضك وسط الرصاص

صورة أرشيفية
رام الله–غزة/ يحيى اليعقوبي:

بعدما أمهلهم الاحتلال يومين فقط لحصاد أرضهم الزراعية؛ تسابق المزارع الفلسطيني عايد مظلوم (51 عامًا) مع عداد الوقت لجني ثمار الزيتون في أرض تبلغ مساحتها 100 دونم برفقة عدد من أقاربه، لكن لا شيء هنا يمضي دون منغصات، من أعلى الجبل ينزل ثلاثة جنود من جيش الاحتلال يأمرونهم بالتوقف.

وما هي إلا دقائق حتى جاء 25 مستوطنًا يحملون بنادق وأسلحة بيضاء، وأخذوا يطلقون النار على مظلوم، أمام المشهد المروع ترك كل شيء بيده، ولم يأبه بما سيخسره من حصاد، فالأولى الآن هي النفس، وأخذ يركض مبتعدًا عن مرمى الرصاص ينادي بصوته على أقاربه مفزوعًا: "اهربوا؛ المستوطنين لاحقيني".

ولا يزال ذلك المشهد يفترش ذاكرته، يقول: "كانت لحظة مرعبة؛ حاولوا قتلنا، بعد أن حرقوا العديد من أشجار الزيتون، وكسروا السلالم الخشبية، وأرعبوا أطفالنا، قطعنا مسافة وديان وهم يطاردوننا ومعنا أطفالنا، يطلقون النار علينا".

لكن هذا المشهد لم يكن حدثًا واحدًا، بل مشهد من مئات المشاهد التي يعانيها أهل قرية "الجانية" غرب رام الله بالضفة الغربية، وهي محاطة بالمستوطنات الإسرائيلية.

وتعتمد قرية الجانية التي تبلغ مساحتها الإجمالية 7800 دونم، ويبلغ عدد سكانها 1470 نسمة، على الزراعة وتربية الأغنام مصدرًا أساسيًّا للدخل، إضافة إلى عدد محدود يعمل في الوظائف الحكومية والخاصة.

للحكاية أصل وفصل

عودة إلى أصل الحكاية، سنة 1983م أقام الاحتلال أول مستوطنة على أراضي القرية تحديدًا على جبل ميدروس شرقي القرية، وأطلق عليها اسم "دولب" بعد قطع الأشجار الحرجية التي كانت تغطي قمة الجبل وسفوحه، بدأت التوسع والتمدد والتهام أراضي القرية وقضمها شيئًا فشيئًا حتى وصلت مساحتها إلى 225 دونمًا، وبلغ عدد المستوطنين فيها حاليًّا نحو 1500 نسمة كعدد سكان قرية الجانية.

ثم أقيمت سلسلة من المستوطنات، والبؤر الاستيطانية عرفت باسم "تلمون"، تنتشر فوق قمم وسفوح الجبال المحاذية للقرية من جهتيها الشرقية والشمالية، وتبلغ مساحتها 449 دونمًا، وقد بدأ العمل بإنشائها سنة 1989م، وهي تلمون "أ، ب" وتقع على جبلي "ظهر أبو هلالة، ورأس المغار" من الجهة الشرقية، أما تلمون "ج" فتقع على جبل "رأس أبو زيتون" شمالي القرية.

"المستوطنون اعتلوا التلال، وأقاموا بؤرًا عشوائية، بعضها يعيش فيها العشرات فقط، لإحباط المزارعين يرون أراضيهم ولا يستطيعون دخولها وزرعها" يقول مظلوم.

بعد صراع بين أهل القرية والاحتلال ومستوطنيه ومنع استمر مدة أربع سنوات، استطاعوا من طريق لجنة الدفاع عن الأراضي رفع قضية أمام محكمة الاحتلال العليا، التي أصدرت قرارًا "بالسماح" لأهالي القرية بزراعة أراضيهم يوميًّا من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثالثة ظهرًا.

بنبرة صوت ساخرة يتهكم على واقع الحال: "أصبحنا حينها وكأننا عمال تحت إمرةالمستوطنة، نأتي نصطف عند الساعة التاسعة صباحًا في طابور على أبواب المستوطنة، يتهجم علينا المستوطنون ويشتموننا، ونغادر الأرض الساعة 11 ظهرًا، وفي كثير من الأحيان لا نتمكن من الزراعة".

لكن الاحتلال قلص هذه المدة التي يتمكن فيها أهل القرية من استثمار أراضيهم إلى يومين، أو ثلاثة فقط في الشهر.

"بندخلكاش، أنت ارجع" هكذا يستفز حراس المستوطنة المزارعين، يعلق مظلوم على ذلك: "لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، يلقي المستوطنون الحجارة علينا، ويكسرون زجاج السيارات، ويحرقون أشجار الزيتون، والأمر الأهم عندما نأتي للحصاد نجد المستوطنين قد سرقوا كل الثمار".

يضيف: "اليوم فقط يسمح الاحتلال لنا بالذهاب موسم الحرث والحصاد بمعدل أربعة أيام في السنة"، وهكذا استفرد الاحتلال ومستوطنوه بنحو ثلاثة آلاف دونم زراعي، يقول مظلوم متحسرًا على وضعه: "مساحة أرض عائلتي تبلغ نحو 100 دونم مزروعة بالزيتون، كنا في السابق نستخرج نحو 100 "تنكة" زيت، اليوم لا نكاد نستخرج خمس "تنكات"، لأن الاحتلال يسمح لنا بالحصاد والجني في 15 تشرين الأول (أكتوبر)، فيأتي المستوطنون قبل هذا الموعد ويسرقون الزيتون".

مع إطلالة نيسان يجهز مظلوم ومزارعو القرية أنفسهم لحراثة أراضهم خلال يومين فقط، يسابقون الزمن لحراثة ثلاثة آلاف دونم زراعي، لكن بمجرد أن تحط رحال أقدامهم أرضهم يعود بهم الحنين إلى أوقات وظروف لن تعود، يتابع مظلوم: "كنا نذهب كل وقت فراغ؛ نستجم بمحض إرادتنا وننام بأرضنا، اليوم نحتاج إلى تصريح"، وهكذا تبدلت حياة القرية.

عن يومي الحراثة يقول: "كنا نحرث في السابق بواسطة الدواب، لكن اليوم لضيق الوقت المخصص نأتي بجرافة الحراثة، وهذه تسبب اقتلاع جذور الزيتون؛ فيصيبه الضعف والجفاف".

خنازير ومياه عادمة

هذان الاعتداء والالتهام استمرا بأشكال أخرى، في محاولة من المستوطنين للسيطرة على الأراضي، وإتلاف أشجار المزارعين، إذ تتعمد هذه المستوطنات تصريف "المياه العادمة" إلى أراضي مزارعي "الجانية"، وهذا ما سبب مشاكل عدة يتحدث عنها مظلوم قائلًا: "أدى ذلك إلى التصحر بسب مياه الصرف الصحي التي تبقى طوال الوقت على جذوع الشجر، وسببت تلوثًا لمياه الينابيع السطحية وحرمنا شرب مياهها".

شكل آخر من الصراع هنا، بين مزارع متشبث بأرضه ومستوطن يريد اقتلاعه، يطلق المستوطنون -والكلام لمظلوم- الخنازير على الأراضي الزراعية وبيوت أهل القرية، لإخافتهم وإتلاف محاصيلهم.

"تأتي الخنازير وتأكل المزروعات وتدمرها" يتحدث عن جزء من المعاناة، ثم يتابع: "بدأت الخنازير تسطو علينا منذ سنة 2005م، تأتي على شكل مجموعة؛ عدد كل منها 30 خنزيرًا".

"لدينحو 12 دونمًا بجوار المنزل، كثيرًا ما دمرت الخنازير ما أزرعه من عنب أو أي نوع من الخضراوات، ولا نستطيع قتلها لأننا ممنوعون من حمل السلاح، اعتدت الخنازير على مزارعين بأنيابها البارزة من فمها مثل القرن"؛ لا يزال يعبر عن وجع معاناة أهالي القرية.

أمام غياب يد العون من السلطة الفلسطينية في رام الله، والمؤسسات الداعمة وغياب التعويض، اضطر صاحب الأرض إلى المخاطرة والذهاب في غير الوقت المحدد لهم من الاحتلال.

لكن كل شيء بثمن؛ لا يخفي مظلوم ذلك: "الذهاب ليلًا إلى الأرض متخفيًا يعرضك للخطر والقتل، تكون أرواحنا على أكفنا، نضع ثمار الزيتون في جيوبنا ثم ننقلها إلى "كيس شعير" فارغ، وهكذا نستمر دون إصدار صوت والخوف يجتاح قلوبنا، لأن أي صوت سيصدر يعني خطرًا حتميًّا يتهددنا".

وإن الاستيطان ومصادرة الأرض مشكلة القرية الأولى، والهاجس الذي يضغط دائمًا على نفوس أبنائها، ويجعلهم في قلق وتوتر دائمين، لما يجدونه كل يوم من معاناة، بسبب التوسع المستمر للمستوطنات التي تحيط القرية من جهتيها؛ الشرقية والشمالية، اللتين تشكلان معظم أراضي القرية الزراعية.

وتبتلع المستوطنات الإسرائيلية أكثر من 70% من أراضي القرية، أرضًا مصادرة أقيمت عليها المستوطنات، وأراضي مغلقة مجاورة للمستوطنات، وبهذا تكون القرية قد حرمت مصدرًا مهمًّا من مصادر دخلها الاقتصادي، وهو الزراعة.

وارتفع تعداد المستوطنين من نحو 105 آلاف مستوطن قبل اتفاق أوسلو، الموقع بين منظمة التحرير والاحتلال، إلى أكثر من 700 ألف يجثمون الآن فوق 60% من أراضي الضفة المندرجة تحت مسمى مناطق "سي" الخاضعة لسيطرة الاحتلال ومناطق "النفوذ الإستراتيجي".