"الهسي" ضيَّع الاحتلال ماله وأوقف حاله

غزة- مريم الشوبكي:


على ناصية الميناء وقف رشاد الهسي، ينظر بحسرة إلى قاربه الذي لم يبحر في الأيام الماضية نتيجة الطوق البحري الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على بحر غزة، ولسان حاله يقول: "لا تبكِ على الذي ضاع ماله.. بل ابكِ على الذي وقف حاله"، في إشارة إلى منع الصيادين بغزة من الإبحار وممارسة مهنة الصيد لمدة 5 أيام منذ نهاية الأسبوع الماضي، حتى فجر أمس، إذ تراجعت إسرائيل عن ذلك، وقررت فتحه لمسافة 10 أميال في بعض المناطق.

الهسي البالغ (75 عامًا) قضى منهم 60 سنة بصحبة البحر بعدما ورث مهنة الصيد عن أجداده منذ أن كانوا في يافا أيام الحكم العثماني لفلسطين.

بتنهيدة يتحدث لـ"فلسطين": "لم تمر علينا أيام صعبة كهذه الأيام التي نعيشها حاليًا، الصياد توقف رزقه وأصبح متسولاً بسبب الحصار البحري الذي يفرضه الاحتلال منذ 13 سنة، وقبل عامين دمر مركب صيد وقتل صياد على متنه، وخسرت 185 ألف دولار ولم يتم تعويضي حتى اليوم".

وتابع: "الاحتلال يحاصر غزة برًا وجوًا واليوم بحرًا لأنه يريد قتل شعب بأكمله، لأنه لا يوجد أمامه إلا البحر كمورد رزق له، يحاربنا اقتصاديًا يريد إماتتنا ببطء".

ويعمل على القارب الذي يمتلكه الهسي 27 صيادًا، بيوتهم مفتوحة من ورائه، فلا مصدر رزق أمامه غير البحر، وخلال هذه المدة جلسوا مكتوفي الأيدي بلا عمل.

وبين أن الاحتلال حين أعلن أنه يسمح بالصيد على مسافة 15 ميلاً، مجرد دعاية للرأي العام لتجميل صورته، حيث تقوم الزوارق البحرية بملاحقة الصيادين كلما اقتربوا من الأماكن التي تكثر فيها الأسماك ويرغمهم على الرجوع إلى ما دون السبعة أميال.

وذكر الهسي أن الصياد اليوم بات "مسكينًا" حينما يغلق البحر يضطر إلى الاستدانة من أجل توفير مأكله ومشربه، لأنه يعيش يومًا بيوم، على عكس ما كان عليه في السابق كان الرزق وفير والبحر مفتوح وكان يدخر ويوفر بعض المال.

وتساءل: "ما ذنب الأطفال أن تذوق مر الحياة وتحرم من أبسط حقوقها، فقط لأن الاحتلال يمنع آبائهم من العمل ويغلق البحر أمامه".

ضرب النسيج الاجتماعي

بدروه، قال مسؤول لجان الصيادين في اتحاد العمل الزراعي زكريا بكر: "مخطئ من يظن أن الطوق البحري يؤثر تأثيرًا مباشرًا على الصيادين وحدهم، بل يعني توقف قطاعات أخرى عن العمل: أربع مصانع ثلج، وعدد من الفنادق والمطاعم، يعني توقف مئات من التجار والعمال، حتى سيارات نقل الوقود التي تغذي محركات القوارب كلها ستتأثر".

وأضاف بكر لـ"فلسطين": "الحصار والجرائم المتواصلة من قبل الاحتلال ضربت بعمق النسيج الاجتماعي، ومست مساسًا مباشرًا بالقوت اليومي لعائلات الصيادين (...) الحصار يدخل السنة الـ14 ولا يوجد مدخرات للصيادين تؤمن حياتهم فيما بعد".

وحذر بكر من تكرار فرض بحرية الاحتلال الطوق البحري على غزة، لأن ذلك ينذر بكارثة تجويع الصيادين.

وذكر بكر أن الاحتلال كعادته حطم الأرقام القياسية في التلاعب بالمساحات البحرية، ففي 2018 أعلن عدة مرات عن توسيع وتقليص مساحة الصيد سبع مرات، وفي العام الحالي منذ 25 مارس/ آذار ، 14 مرة تلاعب بمساحة الصيد ما بين تقليص وتوسيع، منها ثلاث عمليات إغلاق بحري تام.

ولفت إلى أن لإغلاق البحر معاناة مركبة، فعشرات مراكب الصيادين تنصب شباكها على مسافة الصيد المسموحة وعند الإغلاق تضطر إلى تركها، وبالتالي تفقدها بالكامل بسبب غرقها.

وذكر مسؤول لجان الصيادين أنه في كل عدوان يشنه الاحتلال على غزة، فإن قطاع الصيد له نصيب الأسد حيث قصفت الميناء 15 مرة، وفقد 41 صيادًا قاربهم أو معداتهم نتيجة القصف الجوي والبحري.

دعاية كاذبة

وأكد بكر أن الاحتلال ينتهج سياسة تضليل وكذب بإعلانها عن مساحة الصيد المسموحة حيث يسلم الخرائط للصيادين تظهر علامات الصيد التي لا تتجاوز 12 ميلاً، في حين أن الخرائط التي تسلمها للمؤسسات الدولية تظهر كأن البحر كله 15 ميلاً.

وأشار إلى أن بحرية الاحتلال لا تسمح لدخول كامل الصيادين، بل سمحت لأصحاب مراكب "الجر" الذين لا يتجاوز عددهم 12 مركبًا من أصل 1050 مركبًا عليها محركات.

وشدد على أن لا قيمة ولا جدوى لأي مساحة بحرية يتحدث عنها الاحتلال الذي يرسخ الحصار الخانق المفروض على الصيادين، ويسعى إلى تجميل وجهه بالإعلان عن مساحات جديدة، والتي عد بكر أنها "كمائن للصيادين يشرعن بها الاحتلال لنفسه إطلاق النار على الصيادين وملاحقتهم بحجة أنهم تجاوزوا المنطقة المسموحة".

ولفت إلى أن 90% من الاعتداءات على الصيادين كانت في مساحة أقل من ثلاثة أميال بحرية، مؤكدًا أنه من دون توقف جرائم الاحتلال وملاحقة الصيادين لا يمكن الحديث عن مساحات بحرية آمنة.