​الحكاية الكاملة لـ"سفير فلسطين" محمد أبو عمرو

غزة - نبيل سنونو

رائحة النشارة كأنما يمكن استنشاقها حتى بعد مرور أعوام طويلة، كلما أراد الطفل محمد أبو عمرو تشكيل رموز وطنية من الخشب كانت تتناثر تلك الرائحة، تمامًا كما يمكن رؤية كلماته المنحوتة على رمال شاطئ بحر غزة العتيقة، وإنْ اندفع نحوها الموجُ، أو إنْ أصابته هو رصاصات الاحتلال الإسرائيلي على حدود مدينته المحاصَرة، مع بقية فلسطين المحتلة.

محمد ذو الوجه الحنطي كقمح البلاد الباسم في فصل الربيع كبر كما كبرت أحلامه في أسرة تقطن على بعد مئات الأمتار من الحدود الشرقية لغزة مع فلسطين المحتلة، حيث يتخذ جنود الاحتلال الإسرائيلي المدججون بالسلاح أماكنهم خلف الجدار الفاصل، الذي يصفه الفلسطينيون بـ"الزائل".

"هو صاحب طموح"، بهذا يصف الحاج نعيم ابنه محمد، الذي أصبح مثار حديث الفلسطينيين أينما وجدوا.

كانت هذه الأرض التي يجثم عليها الاحتلال عامرة بالفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، لكنها الآن "مُدنسة" بجنود غرباء جاؤوا من أصقاع الأرض المختلفة ليغزوا هذه البلاد، ويهوِّدوها ما استطاعوا.

سنة 1948 م شهدت "نكبة" الفلسطينيين عندما هاجمتهم العصابات الصهيونية، فاستشهد نحو 15 ألف فلسطيني، وشرد نحو 800 ألف آخرين قسرًا، وفي 2018م قرر الفلسطينيون أن يتخذوا خطوة نوعية في طريق تحقيق العودة التي يطالبون بها منذ سبعة عقود، لم تمر دون أن يكون لمحمد بصمة فيها.

"محمد كان مميزًا" يضيف والده لصحيفة "فلسطين"، فكيف سيكون وهو في منطقة يرتوي ترابها بدم شهداء، أطفال، وشيوخ, ونساء، يقنصهم جنود الاحتلال عن بُعد؟!

لدى محمد موهبة منذ الصغر تغذيها روحه الوطنية، فطالما حصل على شهادات تقدير لمهارته في الخط العربي.

لا يزال أبوه الذي يبدو بلحيةٍ بيضاء ناصعة ووجه مدور كرغيف خبزٍ فلسطيني أصيل يذكر محمد عندما كان طفلًا في المدرسة، يأتي بالمنشار والخشب وينتج منهما أشكالًا مختلفة.

طموحه كأي شاب فلسطيني (والكلام لأبيه) هو أن تكون له مكانة، يقدم من طريقها لبلده وأسرته ما يستطيع.

لكنّ اللهَ أكرمه بموهبة النحت على رمال البحر، حيث كتب للوطن ما يشعر به الفؤاد، وللرموز الوطنية الفلسطينية وأصدقائه كان من ذلك نصيب.

ولأن صوت غزة المحاصَرة بدا كأنه لا يُسمع لطالما تمنى أيضًا أن يوصله إلى العالم بقلمه وفنه.

وتمنى لو أنه تمكن من السفر إلى خارج فلسطين ليحقق هذا الهدف، بالرسم على شواطئ العالم عن غزة وفلسطين والقدس، لكن لم يتسن له تحقيق ذلك.

"أمي"

"أمي" أول كلمة نحتها محمد على رمال شاطئ غزة، فهي توفيت في 2012م.

لكن الوالدة ليست فقط هي التي فقدها محمد، فأخوه الذي استهدفته طائرات (أباتشي) التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في 2008م استشهد، وزوج أخته ارتقى شهيدًا في 2014م، وما سلِم بيت العائلة من الهدم بصاروخ احتلالي في السنة نفسها.

"أنا راجع" نحتها محمد حديثًا على رمال شاطئ غزة وغرز بجانبها علم فلسطين، قاصدًا العودة إلى فلسطين المحتلة سنة 1948م.

30 آذار (مارس) 2018م، الحدود الشرقية للقطاع مع فلسطين المحتلة: قناصة الاحتلال يستعدون إلى قتل ما استطاعوا من الفلسطينيين العزل المشاركين في مسيرة العودة السلمية، تطبيقًا لتهديد المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي عبر منشور في موقع التواصل (فيس بوك) في 29 من الشهر نفسه، النساء والأطفال الغزيين بأن جيشه لن يتردد في استخدام الوسائل العنيفة المتوافرة لديه.

قبلها حدَّث محمد والده وصديقه عن طموحه إلى إنجاز أكبر خريطة لفلسطين، باستخدام الألوان وطائرة التصوير، لكنه أجل التنفيذ لظروف مادية يغلب عليها الصعوبة.

انتظر محمد حتى 30 آذار (مارس) 2018م موعدًا مفترضًا لوضع الخريطة في حيز التنفيذ، وهو اليوم نفسه الذي استهدف فيه جنود الاحتلال الغزيين المشاركين في مسيرة العودة السلمية الذين لم يكن بحوزتهم أي سلاح سوى الإرادة.

خيام من قماش أبيض كنقاء قلوب الفلسطينيين تحاكي تلك التي كانوا يقيمونها قبل سبعة عقود، انتشرت على طول الحدود مع فلسطين المحتلةتطالب سلميًّا بتطبيق قرار الأمم المتحدة لسنة 1948م بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم.

أما الاحتلال الإسرائيلي فانشغل بارتكاب مجزرة دموية بالرصاص الحي وقنابل الغاز، راح ضحيتها في اليوم الأول لانطلاق المسيرة السلمية 15 شهيدًا أعزل، بينهم محمد أبو عمرو، وجرح 1416 آخرون.

يُخيم الشعور الإنساني بالفقد على كل فلسطين التي كتب لها الشهيد محمد: "أنا راجع"، فهو الذي دافع عن أرضه بالكتابة والتضامن مع شعبه والمشاركة في المسيرة السلمية.

لكنّ الطموح الذي كان يسعى إليه محمد لم يمت.

هذا الشاب الغزي لقي تضامنًا واسعًا من شعبه، وكثر في أنحاء العالم يرفضون الاحتلال وممارساته العنيفة تجاه الفلسطينيين.

وإذا كان الفنان أسامة اسبيتة رسم خريطة فلسطين على شاطئ غزة تحقيقًا لطموح محمد الإثنين الماضي؛ فإن مساعيه إلى نقل صوت بلاده وصورة معاناته "سفيرًا" لبلده شأنه شأن كل وطني حر وصلت أيضًا عبر حدث استشهاده الذي كان مرفقًا برسالته الوطنية إلى كل العالم.