إقرأ المزيد


الفلسطينيون.. وعودة السلمون!

عبد الله العقاد
أحد ٠٤ ٠٢ / ٢٠١٨

(١)

لم يتحقق بعد أي هدف من أهداف الثورة الفلسطينية منذ أن انطلقت في مواجهة بؤر الاستيطان الأولى على أرضنا الفلسطينية في مطلع القرن الماضي.

وهذا لا يتعارض مع قدرة المقاومة الفلسطينية الباسلة واستطاعتها في أكثر من محطة أن تحرز نقاطًا فارقة، لولا تدخل جهات رسمية عربية لتمنع من التحول المقصود لصالح الثورة، وتحول تلك الجهود المشبوهة من تحقيق أي من أهدافنا الكبرى.

ولعل ثورة 36 شاهدة على ذلك وقد أخذت بالتصاعد والانتشار، وكان منها أن استطاعت أن تبرق بقوة في العقلية الاستعمارية البريطانية، أن وعدًا لليهود بوطن قومي لا يمكن أن يتحقق، غير أن تدخل نظم عربية ملكية حال دون ذلك ببيعها أوهامًا كاذبة وهي تطلب من الثورة التوقف وكان لها ذلك..!

فإن حالة الإجهاض والمخادعة السياسية استمرت، واستمر معها بيع الأوهام حتى كان قرار التقسيم الذي جاء ترجمة عملية لمحتوى وعد بلفور المشؤوم، وقد تم تمرير القرار بالأغلبية في الأمم المتحدة الذي رفضته ظاهريًا الدول العربية منقوصة السيادة؛ لتعطي الكيان الصهيوني أكثر مما أعطاهم القرار الظالم..!

وذلك من خلال تدخلهم بحرب هزلية تم فيها صناعة الهزيمة بقصد وعن سبق إصرار وترصد؛ لتخرج الدولة اللقيطة إلى الوجود الفعلي من بوابة الانتصار على جيوش عربية، ولم يكن يزيد مجموع قوتها العسكرية ربع ما لدى العصابات الصهيونية، وقد بلغت الأخيرة الثمانين ألف من أفراد عصاباتها.

(٢)

لا أريد أن أستطرد في تاريخنا الفلسطيني المعاصر، ولكن الذي أريده فقط من هذا العرض الموجز، أن التعويل على الأنظمة العربية، إلا قليلًا منها، للتحقيق أهدافنا الكبرى، وهم ومخادعة يجب الخروج من شباكها، والتحلل من مصائدها، وذلك بكشفه للأجيال، ولا ينبغي الاستمرار ببيع هذا الوهم تحت عناوين براقة جوفاء، مثل: الإسناد العربي، ودول الطوق التي لم يكن لأغلبها دور إلا في الخنق والحصار والتقتيل الفلسطيني.

لنعد الآن نواجه الحقيقة كما هي ماثلة في الواقع، دون تزيين أو تزويد ودون تهوين أو تهويل..

فنحن الفلسطينيين من كتب علينا أن نواجه قدرنا بما استطعنا من قوة.. إعذارًا إلى الله، وأن نصر الله لنا وعد مرهون بتحقيق شرط نصرته، وإن كان ما نستطيعه من قوة مادية لمواجهة الاحتلال الصهيوني لن يتحقق فيه التوازن، وسيبقى الفارق كبيرًا، إلا أن قوة الإيمان بالحق والعزيمة والإصرار على مواصلة المقاومة ستجبره، "وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله".

لذا، فإن وحدة الموقف الفلسطيني يجب أن تستند إلى هذا الإيمان الحتمي بالنصر وضرورة الأخذ بكل أسباب القوة المادية بما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وأن هذا الإيمان هو روح ثورتنا الفلسطينية.

وعلى هذه الأيديولوجية يمكن أن يلتقي شعبنا في مسيرة وطنية ينجز من خلالها أهدفه الوطنية الكبرى وبها يحقق وعد الآخرة.

وبذلك يمكن أن نوجد وحدة فلسطينية صادقة قوية ومتراصة كالبنيان المرصوص، تواجه أعاصير الاقتلاع من الأرض، بل وتستطيع أن تحقق الأهداف الكبرى على التوالي إن لم يكن بالتوازي.

(٣)

إن جوهر هذه القضية يستند إلى الحق الديني والتاريخي لنا بهذه الأرض التي تم تهجير أهلينا منها ظلمًا وعدوانًا.

وليكن أول ثمار هذه الوحدة الوطنية الفلسطينية نحو توجيه شعبنا الفلسطيني في المهاجر إلى بلادهم التي هجروا منها، بتسيير قوافل مليونية تنطلق من الأردن ولبنان وسوريا ومصر وغزة والضفة الفلسطينية على السواء وبشكل متزامن.

على أن يكون هذا المسير الثوري العائد إلى وطنه معدًا له إعدادًا دقيقًا، بحيث لا توقفه بوابات أو تحول دونه حدود، ويستمر في المسير مهما كلف الأمر من تضحيات، فلن نخسر أكثر من خسارتنا الوطن أمام شذاذ الآفاق.

فإن تحركًا كبيرًا كفيل مثل هذا الطوفان البشري أن يعيد الحقيقة، ويزيل المسخ عن الأرض وهويتها العربية، وأنه كذلك يستطيع أن يسترد القرار الوطني الفلسطيني الذي لم يكن مستقلًا من قبل.

فإن سبعة عقود من التيه وبيع الوهم كافية أن تقول أيها الفلسطيني كفى انتظارًا أنا من يصنع القرار، وأنا من يعود للديار.

نعم، لا تنتظر العودة فأنت من يجب أن تعود، بالطريقة ذاتها التي أخرجنا بها قهرًا إلا أننا سنعود قاهرين.

كما السلمون حين تخرج الأمهات تحت تأثير تيار تجذبها لتضع بيضها في غير موطنها، لكن بعد حين يعود الأبناء، رغم ما يواجهونه من تيارات شديدة، وانحدارات حادة، في رحلة طويلة وشاقة وشائكة لكنها عودة إلى الديار.