​حرمها الاحتلال من اكتشاف موطنها "فلسطين"

البدوي.. ارتدت حذاءً متينًا لتسلك دروب الترحال الوعرة

غزة/ هدى الدلو:

أتدري ما أصعب شيء؟ أن يكون لديك شغف وعشق للترحال لتكتشف البلدان من حولك، ولكنك لم تتمكن من اكتشاف بلدك، تسافر وتحلق في العديد من دول العالم العربية والأجنبية. "قدماي لم تتخطَ حدود موطني، وفي ذات مرة كنت بالأردن، بمحل عمادة سيدنا المسيح، ولا تبعد عني الحدود سوى مترين, لألمس تراب بلدي, وأملأ صدري بهوائه النقي، وفي لحظتها لم أتمكن إلا من البكاء بسبب إجراءات الاحتلال الإسرائيلي التي حرمني من الحصول على تصريح دخول"..

نغم بسام البدوي (36) عامًا، من مواليد الكويت، تنحدر من عائلة متعددة الثقافات، والدها فلسطيني يحمل الجنسية الأردنية، ووالدتها لبنانية من أصول تركية، ومتزوجة من ألماني سويدي، فهي البنت الكبيرة لعائلتها المكونة من خمس بنات، تحمل درجة الماجستير في هندسة الأجهزة الطبية من لبنان، وتعيش في الإمارات العربية المتحدة– أبوظبي، وعملت مديرة مشاريع.

الترحال حياة

لديها شغف بالترحال، وهواية بالتصوير، وميول للكتابة، ودرست الهندسة، فكيف استطاعت أن تجمعها في شخصية واحدة؟، فقالت: "الإنسان وخصوصًا المرأة بتكوينها هي متعددة الشخصيات، فهي الأم والبنت والعاشقة والزوجة والمعلمة، وغيرها من الشخصيات في تكوين واحد، ويمكن إبراز شخصية على أخرى، فأنا عشقي وشغفي بالترحال والتصوير والكتابة والهندسة وغيرها، ولكني آثرت أن أوازن ما بين هذه الشخصيات لتكوين شخصية فريدة أظهر بها أمام نفسي وأمام العالم. ولإبراز هذه الشخصيات عملت على تطوير كل واحدة منها على حدة، ولم أجعل واحدة تطغى على الأخرى".

فنبوغها في بيئة ليست تقليدية بالمعنى الدقيق، وتأثرها بهذه البيئة، وجهها في اتجاهات شبه تقليدية، "ولكن أنا كنت متململة وأعلم أن شيئًا ينقصني، وفي أحد الأيام وبسبب ضغوط العمل المتواصلة بسبب موقعي، وجدت نفسي أنني بحاجة الى إجازة لإعادة التوازن لنظامي الحياتي، وقدراً كانت إحدى صديقاتي مسافرة إلى تركيا، وفعلا حجزت وسافرت معها وهنا اكتشفت عشقي للترحال والمغامرة"، وفق قولها.

وأشارت البدوي إلى أنها وعائلتها قد انتقلوا للعيش في العديد من البلاد والتي تشمل الكويت ولبنان وسورية والأردن والسعودية والإمارات، وقد تكون البذرة زرعت حينها.

وقد زارت فيتنام وكمبوديا وسنغافورة، واليونان، كما زرت زنجبار والمالديف وجنوب أفريقيا، والعديد من البلدان الأخرى التي تجاوزت الثلاثين دولة.

ولعلك عزيزي القارئ تستغرب من أسماء البلاد التي زارتها، فاختيارها للبلدان لم يكن تقليديًا، كونها من هواة المغامرة ودراسة الثقافات المتعددة، ولذلك تجد أنها لا تبحث في السفر عما يبحث عنه الآخرون، فتحب أن تكتشف ما هو جديد, لذلك لم تكن تبحث عن الوجهات التقليدية، بل عن جماليات خاصة بتلك البلاد لا تجدها في بلدان أخرى، مثل التنوع الثقافي المتميز والاختلاف.

وفي كل دولة كانت تخوض غمار تجربة ومغامرة جديدة، فتابعت البدوي حديثها: "في الحقيقة واجهت الكثير من الصعوبات في فيتنام وكمبوديا، إلا أن الأصعب رحلة التطوع في جنوب افريقيا، فهذه الرحلة جعلتني أعيش حياة المعاناة، وفقدان الأمان والفقر، في الوقت نفسه الإصرار على الحياة، ومحاولات تحقيق الأحلام، هذه الرحلة بمعانيها جعلتني أفهم المعاناة التي يعانيها شعبي في الداخل والشتات من حيث قلة الأمان والعوز والفقر والرغبة والإصرار على الحياة".

في تلك الرحلة واجهت صعوبتين، أولهما القفز الحر من الطائرة، وهي فتاة كانت تخاف من المرتفعات، ولكنها استطاعت تجاوز مخاوفها والقفز من الطائرة من على ارتفاع 3000 متر، "قفزتُ لأني أؤمن أن الخوف هو من صنع أفكارنا، ولأثبت للعالم أن المرأة العربية قادرة على القيام بأصعب المهمات، وأنها ليست مجرد جمال ومكياج وموضة وأم، وبإمكانها أن تكون كل شيء".

وأكملت البدوي لصحيفة "فلسطين": "الجزء الآخر هو أني قمت بالتطوع للتدريس في إحدى أخطر المدارس والمناطق، كانت صعبة جدًا ولكنها أجملها، الصعوبة في هذه المغامرة أني تواجهت مع واقع، كنت أسمع عنه ولكن لم أكن أعايشه، عشت مع الأطفال ورأيت بأم عيني الحاجة والعوز وقلة الأمان الذي يعيشونه، ولم أستطع تعويضهم عن هذه الاحتياجات، كم كانت صعبة أن أرى هذا الطفل أمامي ولا أستطيع حمايته، وكانت لحظات الوداع هي الأسوأ الذي مررت به بأن أترك هؤلاء الأطفال وأنا أعلم أنهم ليسوا بأمان".

ومن جماليات هذه الرحلة أنها تعرفت على نفسها أكثر، وتعلمت أن الإنسان بأقل الإمكانيات والظروف يستطيع الحياة، ورغم واقع الأطفال إلا أن لديهم طموحا وحبا للحياة.

وكون أصولها تنحدر من إحدى العائلات في بلدة عتيل– شمال طولكرم، وأنها لم تر فلسطين طوال حياتها، لكنها تعلمت عنها في البيت والمدرسة والقراءات، "فلسطين دائما في وعينا، ولذلك كلما كنت أرى جمالية بأي مكان في العالم كنت أبحث في ذاكرتي عن جماليات بلادي توازي أو تضاهي جماليات هذا البلد، وكنت أربط ما بين التشابه بين ثقافتنا والثقافات الأخرى، بالرغم من بعد المسافات"، وفق حديثها.

ورغم أن البدوي لم تعش في فلسطين إلا أنها تمثلها في كل بلد تذهب لها بأخلاقها، وطيبة أهلها بقضيتها وتدافع عنها وأشرح للناس ما هو طبيعة الصراع في فلسطين, وماهي تداعياته على المستوى الإقليمي والدولي، مضيفة: "في أغلب البلاد التي زرتها كانت فلسطين وقضيتها مجهولة للعامة الذين نختلط بهم بسبب ضعف الإعلام العربي مقارنة بالإعلام الصهيوني، وأشرح لهم ما معنى أن تعيش طوال عمرك في الشتات ولا تستطيع أن ترى أرض آبائك وأجدادك، فأعلم أنني لوحدي في هذا المضمار، ولكن حين نكسب قلوب الناس بأخلاقنا سيتفهم الآخرون قضيتنا بسهولة وسلاسة".

واختصرت حديثها بقولها: "أنا صوت فلسطين في كل الدول التي أزورها، أنا أمثل المرأة الفلسطينية بشخصيتها، بمغامرتها بإصرارها بعنفوانها بتضحياتها بحجم الحب الذي توزعه للعالم وعشقها للسلام".

ولكن هناك سؤال يتوارد إلى الأذهان، يحتاج الترحال إلى ميزانية خاصة فكيف تمكنتِ من توفير ذلك؟ أجابت: "في بداياتي كنت أعمل طوال العام, وأقوم بتوفير الأموال اللازمة للسفر، وفي الأوقات التي لم أتمكن من التوفير لرحلة، كنت أقوم بحمل خيمتي واحتياجاتي الغذائية وأسافر بالسيارة إلى البلدان المجاورة وأقوم بالتخييم فيها بأقل المصاريف، مثل رحلتي لسلطنة عمان والنرويج، المهم ألا أتوقف عن تحقيق حلمي".

وقبل الانطلاق برحلتها، كانت تعمل على دراسة البلد الذي ترغب بالذهاب إليه دراسة وافية، تشمل أماكن الإقامة وتكاليف التنقل والأكل... الخ، وبذلك كانت دائمًا قادرة على تنفيذ رحلاتها بأقل التكاليف، المفتاح دائما التخطيط الجيد للرحلة قبل وقت كاف ووضع الكثير من سيناريوهات الرحلة ومفاجأتها.

الهندسة مهدت الطريق

أما دراسة الهندسة، فذكرت أن والدها كتب يومًا "أنت منتوج اجتماعي تمت صناعتك عن طريق الأسرة التي نشأت فيها، والأصدقاء الذين عاشرتهم، والمدرسة التي درست فيها، والإعلام الذي استهدف دماغك، والكتب التي طالعتها والبرامج التي شاهدتها والتجارب التي مررت بها..."، ولذلك كان اختيارها للهندسة هو أحد مخرجات هذا المنتوج الاجتماعي.

وأوضحت البدوي أنها تعلمت من الهندسة المنطق وطريقة التفكير لكي تستطيع إيجاد حلول للمشاكل التي تواجهها، بالإضافة إلى دقة ملاحظة التفاصيل والتي ساعدتها في البلاد التي تزورها.

وعلمتها الهندسة أن ترى الجمال الموجود في كل شيء مثل ورقة شجر وزهرة من خلال النظر إليها من زوايا مختلفة، وأهم شيء أنها علمتها كيف تواجه المشكلة وتعمل على حلها، بالمختصر الهندسة صقلت طريقة تفكيرها.

موهبتان

أما بالنسبة للكتابة والتصوير فهما موهبتان، لم تكن تعلم أنها تملكهما إلا بعد أن أصبحت تمارسهما، وبينت أن الكتابة قد تكون موجودة في الجينات، ويعود الفضل لوالدها الذي صقل قدراتها الكتابية، حيث إن لديه مقالات ومؤلفات عدة.

ولفتت البدوي إلى أن القراءة لعبت دورًا مهمًا في قدراتها على الكتابة، فهي تنحدر من عائلة تعشق القراءة، فقرأت أكثر من مئة كتاب، ولديها ميول في ذلك عن فلسفات الحياة والتنمية الذاتية، وفلاسفة العصور القديمة، ومن هنا تلاحظ سمة كتاباتها هي في هذا المضمار.

أما موهبة التصوير فهي مكتسبة ويعود الفضل فيها إلى زوجها الذي درس التصوير وعلمها الكثير من أسراره، وهي عملت على تنميتها ومراقبة الآخرين.

وأردفت البدوي بقولها: "هذه المواهب كان لها دور كبير في ترحالي حيث إنني استطعت بالكلمة والصورة أن أوثق جماليات وثقافات وحضارات هذا العالم الذي زرته، وجدت أن هذا العالم بالرغم من الاختلافات إلا أنه جدًا متشابه والإنسانية واحدة".

ولا يزال في جعبتها الكثير من البلدان التي ترغب في زيارتها، وفلسطين هي على رأس القائمة حال استطاعت الحصول على التصاريح اللازمة.

ولفتت البدوي إلى أنها لا تستطيع أن تقول إنها واجهت مشاكل، ولكنها كانت تحديات أهمها، النظرة إلى المرأة العربية، فالمجتمع لم يكن يتقبل أن تسافر الفتاة بمفردها إلى تلك الأماكن، ولكنها طرقت دربا لم يسلكه أحد من عائلتها، وكان وعرًا جدًا من أن يتخيله أي انسان، ومع ذلك منذ اللحظة الأولى أيقنت أنها تمتلك حذاءً متينًا يصلح للسير بالطريق الوعرة، وقالت: "وقد أكون تعرضت للكثير من التعنيف الفكري والنفسي والعاطفي، ناهيك عن الكلمات التي وضعتني مئات المرات أمام فوهة الانتقاد الشخصي، ومع هذا لم أسخط يومًا ولم أتأزم".

وأضافت: "أحد التحديات أن أترك مكان عملي ومهنتي وأنطلق في ترحالي، فكثير كانوا يعتبرون ذلك ضربًا من الجنون، كنت حينها أتبوأ مركز مديرة مشاريع في احدى الشركات الحكومية الكبيرة".

وتطمح البدوي أن يصل صوتها إلى أكبر عدد من الناس بأن الإنسان قادر على تحقيق أحلامه، وأن يتغلب على العقبات، وأن الخوف من الفشل فقط أوهام في العقل وليست حقيقية، وأن الإنسانية واحدة لا تتجزأ مهما اختلفت الأجناس، وتأمل أن تصل رسالتها إلى المرأة العربية، وأن تسعى لتحقيق طموحاتها للقضاء على النمطية المجتمعية السائدة.