​الأزمات الاقتصادية تعصف بـ"كفالات الأيتام"

غزة - نسمة حمتو

تنتظر الثلاثينية "أم بلال حسين" ما يزيد عن ساعة كاملة في طابور خاص بالجمعية التي تتقاضى منها كفالة شهرية لابنتها، وبعد الانتظار لا تحصل سوى على 50 دولارًا أمريكيا فقط، ومع ذلك فهي لا تأبه بطول الانتظار، ولا تستهين بالمبلغ البسيط، إذ تجد في هذه الكفالة الوسيلة الوحيدة لسد حاجات وتوفير متطلبات الأطفال، بعد تقليص المساعدات المالية المُقدمة لأهالي الشهداء وتضييق الخناق عليهم في الفترة الأخيرة..

كانت "أم بلال" تحصل على عدة كفالات من جمعيات مختلفة خارج غزة، لكن لم يعد الحال كذلك، إذ قالت: "عندما كان أبنائي في عمر الخمس سنوات وما فوق كنت أحصل على الكفالات بسهولة من عدة جمعيات، وكان لدي ما يكفيني لسد حاجة أبنائي، ولكن، للأسف، قبل عام تقريباً انقلب الوضع تماماً، وكثير من الجمعيات التي كانت تقدم كفالات للأيتام أُغلقت".

وأضافت: "كذلك قُطعت المساعدات عني بعدما بلغت ابنتي عمر 13 عامًا، كانت الكفالات هي مصدر الدخل الوحيد لدي، والآن لا أحصل سوى على مبلغ بسيط جداً لا يكفي لسد حاجة أبنائي أبداً".

المؤسسات التي تقدّم الدعم للأيتام تضررت بفعل أوضاع القطاع، وتحت ضغط التضييقات التي تواجهها في تحويل الأموال لها، بالإضافة إلى نقص الكفالات التي يقدمها فلسطينيون من داخل القطاع، بسبب أزمة انقطاع الرواتب.

وكان تجمع المؤسسات الخيرية الفلسطينية قد تحدّث مؤخرا عن معاناة 17 ألف يتيم من عدم وجود كفالات بسبب إغلاق حسابات الجمعيات ومنع تحويل مستحقاتهم المالية.. فما واقع هذه الجمعيات والكفالات التي تقدمها في الوقت الحالي؟

أوقات محددة

حال "أم بلال" لا يختلف كثيراً عن حال "أم محمد بنر" (35 عامًا)، فقد استشهد زوجها عام 2012، وترك لها أربعة أبناء دون أي مصدر دخل تستطيع من خلاله أن توفر لهم أبسط مقومات الحياة.

وبعد محاولات عدة لجأت للجمعيات الخيرية التي كانت الوسيلة الوحيدة لتحسين أوضاعها المادية، ولكن بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمر بها هذه الجمعيات ازداد وضعها المادي تدهورا، وحاليا هي لا تحصل على الكفالات إلا بعد ثلاثة أشهر من المعاناة.

قالت لـ"فلسطين" عن معاناتها: "ما أحصل عليه لا يكفي احتياجات أبنائي، ومساعدات الجمعيات لنا أصبحت تقتصر على أوقات محددة، مثل شهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، أما في باقي السنة فإننا نعاني الأمرين".

أوضاع سيئة

"نهاد الجملة"، وهي أم لخمسة أطفال، قالت: "تقليص الكفالات واحتجاز أموال المئات من أسر الشهداء عند السلطة الفلسطينية حول حياتنا لكابوس كبير".

وأضافت: "زوجي لم يكن موظفًا ولا يتقاضى راتبًا من أي جهة، لذا فإنني بعد استشهاده اعتمدت بشكل كلي على الكفالات، ولكن للأسف قُطعت عنا وأصبحت أوضاعنا سيئة للغاية".

وتابعت: "حتى الأيتام لم يسلموا من الأوضاع التي تمر بها غزة، ماذا تفعل أمٌ تعيل أبناءها بمفردها وليس لديها مصدر دخل؟، وصل بي الحال إلى أنني أفتقد الدقيق، ولا أستطيع توفيره لصغاري".

التهديد بالطرد

كأغلب أمهات الأيتام، تعاني "أم سعيد عبد الله" من غياب مصدر دخل بعد استشهاد زوجها، وما زاد حالها سوءا أنها كانت تقيم في بيت بالإيجار، هددها صاحبه بالطرد أكثر من مرة، لعدم قدرتها على دفع قيمة الإيجار.

بعدما استفادت من خدمات عدة جمعيات لرعاية الأيتام، تحسن وضع أسرتها نوعاً ما، ولكن تقليص المساعدات أعاد الوضع إلى ما كان عليه سابقاً.

قالت: "عدت لنفس الأوضاع السابقة، وشهرياً يهددني صاحب المنزل بالطرد، أستلم الكفالات مرة كل ثلاثة أشهر، وأحياناً تطول المدة".

وطالبت جميع الجهات الداعمة في الخارج، والسلطة الفلسطينية، بالتدخل العاجل لإنقاذ حياة الأيتام الذين يعانون في ظل عدم وجود مصدر دخل لهم بعد فقدان المُعيل الوحيد.

أعدادها وقيمتها

المدير التنفيذي لجمعية الزكاة الإسلامية محمد جاد الله، قال: إن "تقليص المساعدات شمل جانبين، الأول عدد الكفالات، والثاني تقليص المبالغ التي يتم منحها للأيتام".

وأضاف في حديث مع "فلسطين": أن "هذا التقليص جاء نتيجة عدة عوامل، أولها ما حصل عام 2015 بسبب الأوضاع في سوريا والاهتمام بالمتضررين فيها، ثم كان لانخفاض قيمة الليرة التركية مقابل الدولار تأثير سلبي على الكثير من العائلات التي كانت تتلقى المساعدات من تركيا".

وتابع: "كما أن الحصار واشتداده وتجفيف المنابع والأزمات في الدول المحيطة أثرت على دخول الأموال لغزة، إضافة إلى أزمة الرواتب التي أثرت بشكل كبير على الكفالات الداخلية التي نتلقاها من داخل القطاع، فإما أن المتبرع فقد جزءا من راتبه ولم يعد قادرا على التبرع، أو أنه تضرر بشكل غير مباشر من الأزمة، كحال التجار الذين قلّ دخلهم بسبب ضعف القدرة الشرائية عند المواطنين".

وواصل: "الأزمات كثيرة، وبالتالي تقل فرص دعم الأيتام، فهناك الكثير من العائلات التي كانت مستورة وأصبحت الآن تحت خط الفقر، وهناك بعض العائلات متوسطةالدخل أصبحت بحاجة للمساعدة خاصة من يسكنون في بيوت بالإيجار، إضافة إلى المشاكل التي تعاني منها وزارة الصحة من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وعدم مقدرة العائلات الفقيرة على توفير العلاج وشرائه بشكل خاص وهو ما زاد الأعباء عليهم".

وأوضح جاد الله: "أعداد الأيتام المكفولين تتناقص يومياً، فاليتيم عندما يصل إلى سن البلوغ، تتوقف كفالته، وعندما نطلب من المتبرعين استبداله بيتيم أصغر سنّا، يواجه طلبنا بالرفض بحجة المعاناة من مشاكل مالية".

وقال: "على سبيل المثال، فإن زكاة المال في عام 2017 انخفضت عن مثيلتها في 2016 بنسبة 40 % للأسباب السابقة، وفي المقابل هناك زيادة واضحة في أعداد المحتاجين للمساعدة، الأمر الذي يجعلنا عاجزين عن تلبية الاحتياجات البسيطة والأساسية لهذه الأسر".

الأرقام الحديثة بخصوص الوضع في قطاع غزة، تشير إلى أن نسبة الفقر بلغت 80 %، منها 65% تحت خط الفقر المدقع، ونسبة البطالة وصلت إلى 50 %، ونصف من يعانون منها هم الشباب وخريجو الجامعات، وإلى جانب ذلك، فإن ثلاثة أرباع أهالي قطاع غزة يحتاجون للمساعدات الإغاثية العاجلة، والتي لم تعد متوفرة الآن.