الأسير نضال زلوم ونزول المطر.. شيء من الوفاء للأحرار

وليد الهودلي
الاثنين ٢٥ ١٢ / ٢٠١٧

كان نضال في سجنه عندما ينزل المطر يتأمله بعشق ووله. يقول: الدعاء مستجاب عند هطول المطر.. يرى رحمة الله دانية تتنزل في قلبه وتغمره كما يغمر الدنيا المطر.. تتراءى محبة الله على مرآة قلبه وتغسل كل ما علق به كما يفعل المطر مع الشجر والحجر .. تعلو مشاعره متقدة ومشتعلة ويلهج قلبه قبل لسانه وهو يستذكر رشات الماء صبيحة ليلة القدر في ذاك اليوم المشهود .. كأن الأمس هو اليوم .. قبل ثلاثين سنة قضى ليلة القدر في ساحات المسجد الأقصى عابدا وداعيا بروح أثقلتها أفاعيل الاحتلال .. أراد أن يغادر من عابد الحرمين إلى الفضيل بن عياض : يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب .. من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب .


مر في المسافة بين المسجد الأقصى وساحة نضاله بتلك الزخات الاصطناعية للمطر لتصحو عيناه بعد أن ذاق حلاوة الآية الكريمة "إذ يغشيكم النعاس أمنة منه" .. هناك فجر الغضب الملتهب في صدره وأعطى درسا مختلفا عن درسه في ساحة الأقصى .. كان هناك القول وهنا الفعل وما أصعب قطع هذه المسافة، فقليل من الناس من يخوض غمارها، وأكثر الناس أمثالنا يبقى متلفعا بحلاوة القول دون أن يدرك الحلاوة الحقيقية للفعل، وشتان ما بين الثرى والثريا .


لقد أصبح قطع هذه المسافة ديدن نضال ولعبته المفضلة .. المسافة بين المسجد وساحة النضال .. ولو أن نضالا ينظر إلى حال مساجدنا هذه الأيام كيف باعدوا بينها وبين ساحة النضال .. نضال يتقن فن قطع هذه المسافة حتى وهو في سجنه ، لم يكتف بما يقوم به ابتداء من إمامة الناس في الصلاة إلى إقامة مجالس العلم والندوات والمحاضرات بدور تربوي ثقافي ديني مميز وإنما بقي مصرا على قطع ذات المسافة .. شيء عظيم استقر في أعماقه .. لا بد من ترجمة القول إلى الفعل فكان بين الحين والآخر يضرب بيمينه ويضحي بفترات طويلة في العزل .. وما أدراك ما العزل ؟ أن تعزل عن سجن أنت معزول فيه عن الحياة ؟! قضى نضال عدة سنوات في زنزانة منفردة يناجي ربه ويحفر عميقا في قلبه صدقا وإخلاصا وحبا .. يقرأ ويعبد ويذكر ربه فيملأ أركان قلبه وعقله بما يسمو به ويرتفع حتى إذا عاد إلى قاعدته زودها بما وصل إليه في عالم العلم والمعرفة .


نضال يغرق بكليته ويذوب في الآخرين .. لا يفكر في نفسه إلا قليلا .. حريص على أهله وإخوانه وكل من يعرف ألا يمس أحدًا منهم أذى أو سوءٌ .. يعكف متفكرا بذويه .. كيف ينفعهم حتى وهو في سجنه .. يحلق في هموم أمه وأخواته وإخوته وأبنائهم وأفراد العائلة فردا فردا .. يفتح في رأسه ملفا لكل واحد منهم .. وفي حبسته الثانية حيث أطلق سراحه في صفقة وفاء الأحرار بعد ثلاث وعشرين سنة ثم أعيد اعتقاله نكثا من الاحتلال بما تم الاتفاق عليه .. أضاف إلى سجلات قلبه زوجته وابنتيه، ثم الثالثة التي جاءته من خلال نطفة مهربة ..


كيف يحنو كل هذا الرجل الذي يحمل قلبه ما يحمل من نور روح اعتادت التحليق عاليا؟ .. كيف يضم بجناحي قلبه هذه الرحمة الإلهية التي جاءته متمثلة في ثلاث بنيات جميلات؟ .. كيف تحتمل قنوات دموعه في عينيه؟ وكيف تتسع لما قد يتدفق من خلالها إذا انفلت عقالها؟ .. الأولى والثانية كتحفتين فنيتين جاءتا بعد ظمأ شديد وبعد ادخار آمال لا حدود لها طيلة حبسة قوامها ثلاث وعشرين سنة .. ثم قطعوا به حبل الحياة وأعادوه إلى السجن ثانية ليعود إلى ذات الثغر . هناك تسلب الكرامة ويوضع المرء في ماكينة إذلال صهيونية تتفنن بحقد تام بابتكار كل صنوف القهر .. يعود إليها بعد أن ذاق طعم الحرية قليلا وكأنها رؤية عابرة .. يعود للرباط في خندق المقاومة ومراغمة شياطين الإنس قبل شياطين الجن .. سلوته ورباطة جأشه أنه يقوم بدور مهم لا يقل عن دوره خارج السجن، فلئن سمح له بفعل ثقافي وتربوي محدود في عالم أوسع من عالم السجن قليلا فإنه يتحرك بصورة أكبر وأعمق في عالم السجن الأصغر ..


عاد نضال من السجن الأكبر إلى السجن الأصغر ليقوم بالجهاد الأكبر هناك .. ومع هذا ولأنه حر لا يتنازل عن حريته وتبقى أعز ما يملك بعد إيمانه فإنه لا يفتأ يحلم باليوم الذي يضم فيه الثلاثي الأجمل في حياته .. ثلاث بنيات شكلن له مثلث السعادة.. روعة الحياة لا تكتمل إلا بضم الثلاثة معا .. نضال لا يقيل ولا يستقيل ، فلسطين تعني له كل فلسطين .. بحرها عذب كنهرها وترابها مقدس كله لا يقل خصوبة عن خصوبة القدس .. نضال حاله حال النضال الفلسطيني الحر ونضال الحركة الأسيرة الأبية، ولا شك أن أباه العالم الأزهري الجليل اختار له هذا الاسم ليخط له هذا الطريق المميز من النضال والعطاء .. ولكن نضال مع حمله لحقيقة اسمه تميز وارتفع أكثر وأكثر لأنه جسد أشكال النضال كلها في رجل واحد .. إنه الأسير المناضل والمربي الماهر والأديب البليغ والخطيب المفوه والشاعر والفقيه والحافظ لكتاب الله المفسر لآياته .. رجل الثقافة ورجل العلم والمعرفة والسياسة .. إنه ودون مبالغة صديق السجون ، منبع دائم للعطاء والتميز في مواطن عز فيها العطاء والتميز ..


نضال ومن أعيد اعتقالهم من صفقة وفاء الأحرار أرق دائم لكل الأحرار وأسرى الحرية جميعا مع حرية القدس صنوان لا يفترقان ..

مواضيع متعلقة: