"الاستعمار الغربي" و"الكرسي العربي".. مصالح تتجاهل حتى "حل الدولتين" !

صورة أرشيفية
غزة/ نبيل سنونو:

حتى أصوات الإدانة خفتت، وبات التصريح بوفاة ما يعرف بـ"حل الدولتين" و"مبادرة السلام العربية" علنياً، في زمنٍ يروج فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومن معه في البيت الأبيض لـ"صفقة القرن" التي ترمي لإنهاء القضية الفلسطينية، غير مكتفيةٍ بتنازل اتفاق "أوسلو" والمبادرة المذكورة عن 78% من أرض فلسطين التاريخية؛ فهل ثمّة تغيّر في الموقف العربي والدولي؟

ودون لبس، قال جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره الذي يُعرف عنه عدم الخبرة في السياسة وتاريخ المنطقة: "علينا أن نعترف بأنه إنْ كان من الممكن التوصل لاتفاق، فإنه لن يكون على غرار مبادرة السلام العربية. سيكون في منطقة وسط بين هذه المبادرة وبين الموقف الإسرائيلي"؛ وذلك في لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية.

ويصنّف المدير التنفيذي لجمعية أنصار فلسطين التونسية، بشير خضري، مواقف الحكومات العربية من "صفقة القرن" والاستيطان إلى ثلاثة، أولها: "متواطئ ومشجع"، والثاني "يبدي بعض الامتعاض" والآخر "الساكت" وهو السائد.

ويرى خضري في اتصال هاتفي مع صحيفة "فلسطين" أن "مبادرة السلام العربية" قُبِرت، وبات "حل الدولتين" في موقف ضعيف جداً.

ونصت المبادرة المذكورة في قمة بيروت سنة 2002، على ضرورة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي حتى ما تعرف بحدود 1967، مقابل التطبيع العربي الكامل مع (إسرائيل) التي تعمل حالياً على تحقيق التطبيع دون الانسحاب.

ويضيف خضري أن الموقف العربي الرسمي غير واضح في كيفية دعم الحق الفلسطيني، موضحاً أن الأنظمة التي تسعى إلى التطبيع ترمي إلى المحافظة على "مواقعها وكراسيها ومصالحها، وإن كان على حساب الشعب الفلسطيني وحتى شعوبها هي".

مصالح مشتركة

ولا يستبعد الناشط التونسي أن تمضي بعض الأنظمة العربية قدماً في "التنازل" عن فلسطين تحت ضغط أمريكي؛ نظراً لمصالحها المباشرة مع الإدارة الأمريكية.

ونهاية الشهر المنصرم، شارك سفير الولايات المتحدة لدى الاحتلال دافيد فريدمان، في افتتاح نفق تهويدي في حي وادي حلوة ببلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، وذلك بعد أيام من مشاركة مسؤولين عرب في "مؤتمر البحرين" الذي يوصف بأنه الشق الاقتصادي من "صفقة القرن"، وسط مقاطعة فلسطينية.

ويعتقد خضري أن افتتاح هذا النفق كان رسالة لتلك الأنظمة المطبعة بأن واشنطن ماضية في هذا الطريق، وأن على هذه الأنظمة الصمت أو السير في الدرب ذاته.

ويرفض الشعب الفلسطيني الاعتراف بـ(إسرائيل)، لكن منظمة التحرير تقول: إنها تسعى لإقامة دولة فلسطينية على ما تعرف بحدود 1967 عبر المفاوضات، الفاشلة منذ 26 سنة، وفقا لما يسمى "حل الدولتين".

وفي المقابل، تواصل سلطات الاحتلال الاستيطان بالضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، حتى تضاعف هذا الاستيطان سبع مرات منذ توقيع "أوسلو" سنة 1993، وفق مراقبين.

ويتوقع مراقبون أن يقضي الشق السياسي للصفقة الذي قال كوشنر إنه سيعلنه "في الوقت المناسب"، بضم الاحتلال المستوطنات ووصلها ببعضها البعض وترك مساحة تقل قليلا عن النصف للسلطة "في ظل شكل من أشكال الحكم الذاتي"، وحصول الأخيرة على أحياء على مشارف القدس مثل أبو ديس وبيت حنينا وسلوان.

ويصف خضري "حل الدولتين" بأنه ليس حلا وإنما مشكلة بحد ذاته، مبينا أنه تنازل عن 78% من فلسطين التاريخية، وحتى ما تبقى يستولي عليه الاحتلال.

ويشبّه خضري، كوشنر بـ"لورانس العرب" الذي لعب على تمزيق الأمة، وإنجاح سياسات الإنجليز، من خلال تأليب القوات العربية على الإمبراطورية العثمانية عام 1916، مبيناً أن السكوت من بعض الأنظمة العربية شجع الأمريكيين على تنفيذ مخططاتها في فلسطين.

ويؤكد المدير التنفيذي لـ"أنصار فلسطين" أن الأمل يبقى بيد الشعوب في الضغط على كل الأنظمة.

المشروعات الأمريكية

من جانبه يعتقد المفكر المصري محمد عصمت سيف الدولة أنه ليس لدى الدول العربية أي مشروعات لصالح القضية الفلسطينية، قائلاً: المشروع الرئيس لها هو تثبيت علاقاتها مع الولايات المتحدة و"تثبيت عروشها" وانتزاع الرضا الأمريكي؛ وفق وصفه.

ويتابع سيف الدولة في حديث مع صحيفة "فلسطين" أن المجتمع الدولي خرج منذ سنوات طويلة من الساحة لتبقى فيها فقط الولايات المتحدة، وهذا هو سبب الانزعاج العربي الشعبي والفلسطيني الكبير من "صفقة القرن".

وأردف أنه لم يبق أحد يدافع عن المواقف المناهضة للمشروعات الأمريكية إلا الموقف الفلسطيني وموقف الشعوب العربية.

ولفت إلى أن مشكلة السلطة الفلسطينية التي تبدي رفضها لـ"صفقة القرن" وتتمسك بما تسمى "مبادرة السلام العربية" واتفاقات "أوسلو"، أنها ليست مستقلة القرار وإنما قرارها بيد الاحتلال الذي تنسق معه أمنياً، وإذا قرر غداً إلغاء السلطة يستطيع ذلك.

ونبه سيف الدولة إلى أن الأمل الوحيد هو في استنهاض الشعوب العربية واشتباكها في المعركة في مواجهة (إسرائيل) والمشروعات الأمريكية، لكنه يرى أن "العقبة تكمن في أن الشعوب مكبلة بأنظمة مستبدة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية"؛ وفق وصفه.

وأضاف أنه إلى حين تمكن الشعوب العربية من "كسر قيودها" سيظل المشهد هو القائم، فعلى الورق ما يسمى "الشرعية الدولية" وعلى الأرض ما تقرره الولايات المتحدة، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة تحلل السلطة من اتفاق أوسلو والتنسيق الأمني.

ويقول المفكر المصري إن "مبادرة السلام العربية" تمثل انتهاكا عربيا رسميا للثوابت الوطنية ونحن لسنا معها، لكن حتى هذه المبادرة لو كانت الدول العربية جادة فيها لاستطاعت تفعيلها منذ سنوات طويلة.

ويبين أن لدى الدول العربية قرارا بعدم الاشتباك مع أمريكا أو الاحتلال وتعريض مصالحها "للخطر".

أما الموقف الأوروبي فإن سيف الدولة يصف ما ينشره الاتحاد الأوروبي من بيانات رافضة للاستيطان بأنه "كذب في كذب".

ويفسر ذلك بقوله إن أي أمريكي استعماري أو أوروبي استعماري له مصالح في المنطقة سيكون ضد إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967؛ لأن (إسرائيل) ترفض ذلك بذرائع أمنية.

وأضاف "فلتلقى البيانات الأوروبية في سلة المهمات، ويبدأ العمل على الشعوب الأوروبية وأحرار العالم وعلى من يدعون أنهم يهود ضد الصهيونية، ليتداعوا ويطرحوا الرواية الحقيقية، وهي أن كل فلسطين هي أرض الفلسطينيين، وأن "أوسلو" تم بالإكراه، وبالتالي يجب أن ينتهي الاحتلال عن كل أرض فلسطين من البحر إلى النهر".