​الانتقاد على مواقع التواصل الاجتماعي.. على عينك يا مُستخدم

النفس البشرية تحب أن ترى كل شيء على ما يرام
غزة/ هدى الدلو:

لم يقتصر الناس في استخدامهم مواقع التواصل الاجتماعي كـ(فيس بوك) و(تويتر) وغيرهما من الوسائل الحديثة على التواصل مع الآخرين ومعرفة أخبارهم والتعارف على أناس جدد، بل أيضًا استخدموها من أجل إثارة بعض القضايا، ومعرفة الأخبار والتطورات الحديثة، إلى جانب الانتقاد والسخرية من الآخرين، دون وجود حسيب أو رقيب على ما ينشر.

فكثير من الشباب يجعلون صفحاتهم الشخصية واجهة تتصدرها انتقادات الآخرين، وفي النهاية لم يجنوا منها إلا "وجع الراس"، وتصدعًا في علاقاتهم مع الآخرين.

فضاء واسع

وعد الشاب أمير سالم مواقع التواصل الاجتماعي بوابة للتفريغ عن النفس، وتوجيه الانتقاد لأي شخص كان تحت مبدأ حرية الرأي والتعبير، ومظلة للتخفي وراء شخصية مزورة، واسم غير حقيقي.

وتساءل سالم قائلًا: "من كان قبل سنوات عديدة يجرؤ على توجيه انتقاد لشخص مسؤول ذي منصب ومكانة؟!، أما الآن فقد أصبح الأمر مفتوحًا على غاربه، لكون هذه المواقع عبارة عن فضاء واسع".

وأضاف سالم: "تأتي هذه الانتقادات من كثرة الضغوط التي يعانيها أفراد المجتمع، ووجود بعض القضايا المهمة المرتبطة مباشرة بحياة الناس، فيتخذون صفحاتهم الشخصية متنفسًا من الضغوط والأزمات التي يعيشونها".

ورأت هالة مسعود (28 عامًا) أن هناك أشخاصًا ينتقدون لمجرد الحديث والانتقاد، سواء أكان الأمر يستدعي ذلك أم لا، لإبراز شخصيتهم، وكأنهم متابعون ومثقفون في الأمور الحياتية، وغالبًا ما يضع نفسه موضع انتقاد من الآخرين بسبب تعليقاته.

وتابعت حديثها: "لكن المؤسف في الأمر عندما يصبح الانتقاد لأشخاص بعينهم على الملأ، مع أن الأمر شخصي، ولا يهم الجميع معرفته والاطلاع عليه، ما يتسبب في سوء العلاقات، سواء أكان المنتقد قريبًا أم كان صديقًا، فلو وجه لي الانتقاد بيني وبينه لكان أهون".

الإهمال والمحاسبة

من جهته قال الاختصاصي النفسي إبراهيم التوم: "بداية النفس البشرية تحب أن ترى كل شيء على ما يرام بغض النظر عن الظروف والأشخاص والمجتمع، لكن هناك متغيرات نفسية مجتمعية ودينية وتربوية وسياسية واقتصادية وجسمية تعيق وتحد وتضعف وصولها إلى الشيء المراد تحقيقه".

وبين التوم لـ"فلسطين" أن هناك أشخاصًا كثيري الانتقادات من حيث التوجيه، وهو ما يدل على أنها شخصيات مرضية، يعانون الشعور بالنقص، وصدمات نفسية، وفشلًا في تجارب الحياة المختلفة، وعدم القدرة على إثبات الذات، واضطرابات في العلاقات الأسرية والزوجية والاجتماعية، وضعف الثقة بالنفس.

وأشار إلى أن هؤلاء يرجعون فشلهم في الحياة بمختلف مجالاتها إلى الآخرين، إذ يتصيدون أخطاءهموزلاتهم وهفواتهم وعيوبهم وتقصيرهم، وذلك قد يحدث خللًا في العلاقات بين الأصدقاء والأقارب.

ونبَّه إلى أنه عندما يكون الانتقاد لأشخاص تجمعهم علاقة قرابة أو صداقة، فيكون عنصر المصالح الذاتية والمكاسب المادية والبحث عن إيقاع الأذى بحثًا عن مكانة وظيفية أو مجتمعية، أو لتخليص حسابات أو بغرض التشهير وتدمير السيرة الذاتية للشخص، أو بحثًا عن شهرة ومكانة وهمية بهدف تعويض النقص في أحد مجالات الحياة، أو نقص شخصي في الشخصية ذاتها، كذلك يلعب وقت الفراغ دورًا كبيرًا في زيادة حجم الانتقادات واستمرارها وانتشارها.

وأضاف الاختصاصي النفسي: "لذلك يجب عدم الانجرار وراء انتقاداتهم، وإهمالهم، أو مواجهتهم بالأدلة والحجج والبراهين، أو المحاسبة القانونية، حتى لا يتمادوا في إيقاع الأذى الشخصي والمجتمعي، ومنعهم من أن يكونوا معول هدم لا بناء في المجتمع، وحتى لا يلحقوا الأذى النفسي والمجتمعي بالأشخاص المنتقدين، بسبب توجيه الانتقاد على الملأ، وعلى عينك يا تاجر (ويقصد هنا مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي)".

وأوضح التوم أنه يجب استهدافهم ببرامج إرشادية وتوعوية في مختلف الجوانب الشخصية، بهدف تحويل طاقتهم السلبية إلى إيجابية، واستثمارها حتى يكونوا جسور بناء نحو مجتمع صحي قائم على الانتقاد البناء الهادف نحو التقدم.

ولفت إلى ضرورة رفع وعي مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، من طريق المؤسسات الرسمية والأهلية، بتطوير مهاراتهم وتنمية قدراتهم الإبداعية في احترام الرأي والرأي الآخر، وتقبله بكل مكوناته، بغض النظر عن الأخطاء والنواقص البشرية الطبيعية، لأن الكمال لله (عز وجل)، والإنسان خطَّاء.

وتابع التوم حديثه: "ويجب على المراكز البحثية النفسية والمجتمعية تسليط الضوء على هؤلاء الأشخاص للتعرف علميًّا إلى الدوافع والأسباب وطرق العلاج، والتدخل القائم على مناهج البحث العلمي".