​الإنسان والأنشطة الترفيهية

مصطفى أبو السعود
الاثنين ١٥ ٠٧ / ٢٠١٩

جميلة تلك النفوس التي تسعى لغرس بذور الأمان في نفوس الآخرين لتخرجهم من ظلمات الأسى والحزن الذي ألمّ بهم نتيجة حدث غير سار، وراقية تلك العقول التي تبدع في خلق أفكار لخدمة الآخرين، وربما في هذا الزمن الملبد بغيوم لا تمطر إلا حزنًا وقلقًا فإننا كلنا بلا استثناء بحاجة للترفيه عن أنفسنا للخروج من روتين الحياة، ولا شك أن أكثر فئة بحاجة للترفيه والألعاب هي فئة الأطفال، فهي الفئة التي تتأثر كثيرًا وسريعًا بالأحداث الحزينة.

إن الدافع لما سبق هو أني شاركت في حدثين مهمين خلال الفترة الماضية يتناولان قضية الترفيه النفسي:

الأول: لقاء ترفيهي نظمه تجمع الهيئات المحلية والحكومية في مدرسة القادسية بتل السلطان بمحافظة رفح، لتخفيف الآثار النفسية السيئة التي ترتبت لدى الأطفال بسبب مقتل الطفل محمود شقفة، فقد أثارت مخاوف الأهالي والأطفال بما رُوِّج حول أن هناك عصابات تختطف الأطفال للاتجار بأعضائهم، ففي اللقاء نُفِّذت الألعاب التنشيطية والترفيهية والرسم بالألوان على وجوه الأطفال الذين فرحوا جدًا، ولأني أؤمن جداً بهذه الفعاليات فقد اصطحبت أولادي الستة لحضورها، فتفاعلوا مع الأطفال والمنشطين.

وقد حدثني صاحب الفكرة والمبادرة الأخ كمال السطري من لجنة حي تل السلطان أن اللجنة كانت تنوي تنظيم هذه الفعالية في الأرض التي عثر فيها على جثة الطفل محمود شقفة، من أجل محو الآثار السلبية والمرعبة التي ترسخت في أذهان الأطفال، لكن نظرًا لحساسية الوضع ومراعاة لظروف عائلة شقفة فقد ارتأت اللجنة تنظيمها في مدرسة القادسية.

الثاني: في حفل تخرج ابنتي ليان من الروضة ضمن فوج "أحلام الطفولة" التابع لروضة لجنة حي تل السلطان، وهذا أمرٌ معتادٌ من رياض الأطفال على مستوى الوطن، وقد حدثتني مديرة الروضة الأخت جملات سعد أن الاحتفال طقس سنوي تنفذ فيه فقرات ترفيهية منوعة يرتدي فيها الأطفال ملابس تراثية فلسطينية للحفاظ على الهوية الفلسطينية، وتُغنَّى الأغاني الوطنية التراثية والحديثة.

هنا أعود بذاكرتي لسنوات خلت حين كنت بالمغرب، فقد أعجبتني فلسفة المغاربة في الترفيه وقضاء الإجازات، فكل شخصٍ بصحبة عائلته يذهبون لأماكن سياحية طبيعية أو أثرية، وهذا أمر أظنه موجودا عند الكثير من الشعوب، في حين نحن الفلسطينيين نفتقد _ وأتمنى ألا أكون مجحفا بذلك _ لمهارة الترفيه، ربما بسبب طبيعة ظروفنا التي تجبرنا أو تضع رأيها بقوة في مسارات حياتنا، حيث ينظر أغلبنا للترفيه أنه _ ميوعة وقلة عقل_ حتى أن البعض يستكثر على عائلته الذهاب للبحر المتنفس الطبيعي الوحيد في غزة.

إن الترفيه عن النفس ليس وليد هذا الزمن الحديث، وليس صناعة غربية، بل إن تلك الفلسفة موجودة في إسلامنا العظيم الذي راعى الإنسان جسداً وروحاً، كبيراً كان أم صغيراً، رجلاً أو إمراةً، فكلنا يعلم قصة ساعة وساعة، وإن لبدنك عليك حقًّا، وهذا ما توصل له علم النفس الحديث بأن الترفيه ضروري للإنسان بغض النظر عن جنسه ودينه لأنه يشجعه على الإنتاج في الحياة.