​الانفصالُ العاطفيُّ بين "الحردانة" وأهلها !

محمد علي عوض
الثلاثاء ٠٥ ٠٣ / ٢٠١٩

جاءت أهلَها تمشي على خجلٍ شديد وبكاءٍ مديد، قد أكلت الحمرةُ وجهها، وخطّت الدموعُ وجنتيها، ويرجف جسمُها من كل ناحية، تريدُ الكلام فيقطعُها البكاء والنحيب، وتصنع إشاراتُها الماورالسانية أبجديةً جديدةً غير مفهومة إلا أنّ كل من يراها يقرأ الألم حرفَ علّةٍ رابعًا أقوى من المعتلّات الثلاثة جميعًا، ما لو كانت أمام جبلٍ دكّته أو بحرٍ بخّرته..!

****

تركها والدُها حتى "تبردَ نارُها" وتهدأَ ثائرتُها، حتى تفهَمَ مقالتُها، بعد أن واستها أمُّها وأختُها الصغرى، وقد عرف ذلك أخواها فجاءا بعد استدعاءٍ من أمّهما على عجل شديد، سألها الوالد: ما بك؟ ما شأنك؟ وقد رأيناك جئتِ بلا نقاب، وثوبُك مؤكدٌ أنك لم تريْه..

****

نظرت إلى نفسها بعد هدوء ثائرتها، فأخذها العجبُ من كل حدب منها وصوب، فقد كان كل ما أشير إليها فيها صوابًا، وبعد أن استردّ لسانُها الكلامَ أخبرت والدها في حضور عائلتها أنّ زوجَها من شهرٍ تامٍّ لم ينقص سويعةً أسمعها قاموسًا من أغلاط وشتائمَ، ولم يبقِ في جسدها شبرًا إلا وفيه طعنةٌ برمح رجله، أو ضربةٌ بسيف يده، أو رميةٌ بسهام أصابعه، وأنه يصنع هذا في حضور بينهما وغيابهم، حتى تجرّأ عليها ابنُها ذو العشر سنوات، وضربها بيده مرة في حضرة أبيه الذي ما وبّخه ولا منعه ولا نهره، ثم اضطرت هي مرة أن تضرب ابنها ضربًا مبرّحًا لأنه كرّر المسألة حتى لا يحلمَ أن يعيدَها، ثم إنها راجعت نفسها، وشعرت أنها ضربته وقد تخيلت أنها تضرب زوجها، وصارت عصبية جدًّا، ومزاجُها غيرَ رائق، وتشعر أنها مستنفَرة تمامًا ما كان زوجُها موجودًا في البيت؛ إذ حوّل بيتها إلى جحيم من جهاز أمنيّ قمعيّ مصغّر؛ هو فيه جهازُ الرصد، وابنُها الأكبر جهازُ المخابرات، وبنتُها الصغرى جهاز نقل الكلام، واحتفظ الزوج بحقيبةٍ أخرى في هذا الجهاز اللعين أن كان مسؤولَ قلم التحقيق والتعذيب، وهي مغلوبةٌ على أمرها ولا حول لها ولا قوة.

****

حاولت أن تجلس معه باستمرار، وهو لا يرضى؛ بل يسخّف ويعنّف، ويستهزئ ويضرب، وكأنها جاريتُه، أو قطةُ المساء يتسلّى بها كما البهائم إذ سقطت عضويته من نادي الرجال، أما الشهامة فطلقته ثلاثًا دون رجعة، وفي هذه الأجواء الكئيبة صارت خطتُها للهروب –التي كان يتوقعها زوجُها- تتطوّر وتستعد لنقطة الصفر للهرب منه والانعتاق من هذه الوجبات الجهنميّة اليوميّة.

****

والعجيب أنّ هذه اللحظة لم تكن إلا في ليل جمعةٍ الساعة الثانية عشرة تمامًا؛ إذ فتحت الباب الذي قرأت عليه "الحرية للمنفلوطي" مع تعانق عقربي الساعة، وكأنّ الأولَ جحيمُ زوجها، والثاني تركُها بيتَها وبنيها الذين فقدت مع أيام عذاب زوجها شعورها التام بالأمومة نحوهم، وكنّا نتمنّى ونرجو وندعو ونحن نستمع هذه القصة منها أن تجد لها من أبيها ملاذًا آمنًا، فإذا به يفاجئُها وإخوتَها بحمرة وجهه وانفعال لسانه ورجفان شنبه وهو يقول مع تجهّم واحتقان: "فشي عندي بنات يحردن"، يحاول إخوتُها التدخّل، فيضيف: "وهلقيت بدك تطلعي معاي ع بيت جوزكي"، تسقط البنت لطولها وعرضها، وتفقد من وزن نفَسها ثلاثة أرباعه. حاولوا إنعاشها دون جدوى، فأحضروا الطبيب على عجل، ولم تفلح معها إسعافاتُ المكان الأولية، فاستُدعيت سيارة المشفى، وكانت المفاجأة هناك أنها ستمكث في العناية المكثفة مدةً غيرَ معلومة لأنّ الضغطَ المتراكمَ عليها من زوجها والمفاجأةَ الشديدةَ جدًّا من أبيها أوقعتاها في شراك غيبوبة رأتها أهون عليها وأحسن عندها من لقيا البشر الذين لا يقدّرون ولا يفهمون.

****

ولا ندري ما شأنُها بعدُ، ربما تلقانا لاحقًا، وربّما ربّما !.