العامل الذاتي في عملية الصراع مع الكيان العبري

كميل أبو حنيش
إثنين ٠٩ ١٠ / ٢٠١٧

في بداية الانتفاضة الثانية أذكر أن الرئيس أبا مازن اعتاد أن يكتب مقالات دورية للصحف المحلية، ينتقد خلالها عسكرة الانتفاضة، ويطالب بإعادتها إلى وجهتها السلمية، فقد جاء في أحد هذه المقالات ما معناه أن "شارون لا يتقن اللعب إلا في ملعب الحروب والدماء والقتل، وتعالوا نجره إلى الملعب الذي لا يتقن اللعب فيه، وهو ملعب المفاوضات".

لم يكن أبو مازن في حينها رئيسًا، ولكنه كان ذا تأثير على القرار الفلسطيني، وكانت خلافاته مع عرفات في تلك الأيام علنية في العديد من القضايا، أبرزها عسكرة الانتفاضة، ولم يمضِ أقل من عامين إلا وهو رئيس للحكومة، ولم يستطع إحداث أي اختراق، أو جر "شارون" إلى مربع المفاوضات، فلم تعمّر الحكومة سوى ثلاثة أشهر قبل أن تستقيل ويحمل عرفات المسئولية عن فشلها.

في هذا العام حدثت مجموعة من التطورات الهامة، أبرزها رحيل عرفات وانتهاء الانتفاضة، وتسلم أبي مازن رئاسة السلطة والمنظمة، وسيطرته على القرار السياسي الفلسطيني، وكان "شارون" لا يزال في سلطة الحكم، وجرت الرياح بما لا يشتهيها أبو مازن؛ فقد جره "شارون" إلى الملعب الذي أكد أبو مازن في السابق أنه أي "شارون" لا يتقن اللعب فيه، وهو المفاوضات، ولم يحصد أبو مازن خلال ذلك إلا مزيدًا من الاستيطان والإجرام الصهيونيين.

وحتى لا نقلب المواجع لم يتمكن أبو مازن من هزيمة "شارون" في هذا الملعب، وذهب " شارون" إلى غيبوبته الطويلة، وحل مكانه "أولمرت" و"ليفني" اللذان فاوضهما أبو مازن في ملعبه، والنتيجة يعرفها الجميع، ليأتي بعدها "نتنياهو" الذي أغلق كل النوافذ والأبواب، وبات كل يوم بطريقة فجة يدعو أبا مازن للنزول إلى ملعب المفاوضات، بعد أن حدد سلفًا قواعد اللعبة وشروطها، وهكذا بقي الملعب خاليًا، وكسدت كتب صائب عريقات التي لا ترى بالحياة سوى المفاوضات.

مع الخطأ الجسيم الذي ارتكبته السلطة والرئيس أبو مازن ويصل إلى الخطيئة الكبرى إننا لسنا بصدد الردح السياسي، وتحميل بعضنا بعضًا المسئوليات، لأننا لا نملك طرفًا في واقعنا السياسي، وعلينا أن نتجاوز الجدل البيزنطي الذي لا يزال دائرًا بشأن أولوية المقاومة أو المفاوضات، لأننا ببساطة نعيش في لحظة استعصاء سياسي، والأوضاع تتعقد على الأرض، وقضيتنا خاسرة لا محالة، إن لم نتدارك الموقف ونقف بمسئولية حيال التطورات الجارية.

لا أحد يدعّي امتلاكه الحقيقة المطلقة والحل السحري للخروج من عنق الزجاجة، وكأن أوضاعنا المستعصية نستطيع أن نغيرها بالأفكار والاقتراحات والتصورات.

علينا أن نعترف قبل كل شيء أننا جميعًا حركة تحرر وطني فشلنا في إحداث اختراق إستراتيجي لمعركتنا التحررية، وهذا ناجم عن أسباب متعددة، أهمها افتقادنا رؤية إستراتيجية موحدة، وهذا الخلل رافق حركة التحرر الوطني منذ البدايات الأولى للصراع، وهو ما يفسر تخبطنا في كل مرحلة طيلة أكثر من قرن من الصراع.

إن هذا الاعتراف سيجعلنا أولًا نتخلص من أوهام أفضلية طرف فلسطيني على طرف آخر، وثانيًا سيقربنا من الشعور بالمسئولية الوطنية وضرورة الارتقاء إلى مستوى التحديات الكبرى التي لا تواجه مشروعنا التحرري فحسب، وإنما أيضًا تشكّل تهديدًا لوجودنا على هذه الأرض، وأما ثالثًا _وهو الأهم_ فإنه يعيد الاعتبار للذات الفلسطينية المهزومة أو التائهة؛ فعلى الحالة السياسية البائسة التي نعيش فيها ما زالت الحالة الفلسطينية تمتلك عوامل بقائها وصمودها وقدرتها على المواجهة، ومواجهة كل من يحاول تصفية قضيتنا، وبالأخص مستقبل وجودنا الوطني.

منذ أكثر من ربع قرن الحالة الفلسطينية في حال انتظار لما ستؤدي إليه التطورات السياسية والمبادرات السياسية التجريبية لحل القضية الفلسطينية، أما العامل الذاتي فقد ظل تابعًا للتطورات الخارجية، وهذا هو الخلل المركزي في تعاملنا وإدارتنا للصراع، وحتى يكون هذا العامل فاعلًا ينبغي أن يكون ثوريًّا، بمعنى علينا قلب المعادلة، وإعطاء هذا العامل دوره، وعليه أن يلتقط زمام المبادرة.

واليوم ونحن نتحدث عن المصالحة والوحدة إن ذلك يقتضي العودة إلى مراجعة مشروعنا وإستراتيجيتنا، وعلينا ألا نستهين بأنفسنا إذا التقطنا القدرة والشجاعة على التحرر من القيود التي كبلنا بها أنفسنا منذ مسار التسوية، ويجب أن نكسر هذه القيود ونتحرر منها، ويكفي إعلان موت التسوية واتفاق أوسلو، وعندها سيقف العالم على أصابع قدميه، وهذا مرتبط بضرورة الاتفاق على إستراتيجية موحدة ترتكز بالأساس على المصالح الوطنية العليا، ولا تتكئ على المصالح الفئوية أو الحزبية أو الشخصية، ومن شأن هذه الإستراتيجية الوطنية أن تضعنا على الطريق الصحيح إلى كنس الاحتلال وهزيمة المشروع الصهيوني.