إقرأ المزيد


وعبادة الخفاء تحقق الإخلاص

​الاجتماع على الذكر مباحٌ بشرط..

صورة تعبيرية عن الدعاء في الصلاة
غزة - هدى الدلو

قد يجتمع البعض في مجالس للذكر في المسجد مع روّاده، أو في البيت مع الأهل، وربما يتفق عدة أشخاص على قيام الليل وقراءة ورد قرآني في ساعة محددة، بالإضافة إلى أن دخول الانترنت في حياة الناس بشكل كثير كان له أثر على شكل اجتماع الناس للذكر، فأصبحنا نشاهد منشورات لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يطلبون فيها ترديد ذكر معين، أو يسعون من خلالها للوصول إلى "مليونية للصلاة على رسول الله"، أو الاتفاق على ختمة قرآنية بحيث يقرأ كل مستخدم جزءًا محددا.. فما هو حكم مجالس الذكر الجماعية بشكلها التقليدي، وأيضا تلك التي تأخذ شكلًا إلكترونيًا؟، هذا هو محور حديثنا في السياق التالي:

بين الاجتماع والانفراد

أوضح الداعية الإسلامي عبد الباري خلة لـ"فلسطين" أن "الأصل في العبادات التوقُّف، وكل عبادةٍ لم ترد في كتاب الله ولا سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم فهي مردودةٌ"، مشيرا إلى ما ورد عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ"، وقال الله تعالى: "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ"".

وأوضح أن هناك عبادات شرع لها الاجتماع؛ كالجُمَع، والجماعات، ومجالس العلم؛ وهناك عبادات شُرع لها الانفراد؛ كالذِّكْر وقراءة القرآن، مبينا: "الذِّكْرُ من أعظم العبادات والطاعات ويجب فيه الاتباع وعدم الإحداث".

وأشار خلة إلى أن العلماء اختلفوا في مشروعية الذِّكر الجماعي، ففي القول الأول، ذهب بعض متأخِّري الشافعيَّة والحنابلة إلى مشروعية الذكر الجماعي واحتجوا بأدلةٍ، منها ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُوننِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا لَا أَيْ رَبِّ قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي قَالُوا مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا لَا قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا قَالَ فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ فَيَقُولُ وَلَهُ غَفَرْتُ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ"، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ".

وبين: "أما عن القول الثاني، فقد ذهب الحنفيَّة والمالكية والشافعي وكثير من الحنابلة إلى كراهة الذِّكْر الجماعي، وأنه بدعة، وهو الراجح"، لافتا إلى ما قاله الإمام الشافعي: "وأَختارُ للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة، ويخفيان الذكر، إلا أن يكون إماماً يجب أن يُتعلَّم منه؛ فيَجْهر حتى يرى أنه قد تُعُلِّم منه، ثم يُسِرُّ، فإن الله عزَّ وجلَّ يقول: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا)".

وبحسب خلة، فإن أصحاب القول الثاني ردّوا على أدلة القائلين بالجواز بأدلة كثيرة، حيث قالوا: "إن الأحاديث المذكورة في الاجتماع تعنى بالذكر أشياء كثيرة، كمذاكرةِ العِلْم، واستماعٍ القرآن والحديث، وليس المقصود الاجتماع على الذكر بصوتٍ واحدٍ مرتفعٍ".

وأشار خلّة إلى بعض أقوال العلماء في هذه المسألة، إذ قال عطاء بن أبي رباح: "مجالس الذِّكْر هي مجالس الحلال والحرام"، قاصدا مجالس العلم، وقال الطرطوشي: "هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن الكريم على معنى الدرس له، والتعلُّم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المُعَلِّم على المُتَعَلِّم، أو يتساويا في العلم؛ فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة، هكذا يكون التعليم والتعلُّم، دون القراءة معاً".

وقال خلة: "وخلاصة القول إن هناك فرقًا بين الاجتماع على الذكر، والذكر الجماعي؛ فالاجتماع على الذكر الذي يعني أن يردد شخص بعض الأذكار أو يقرأ القرآن مشروع، بخلاف الذكر الجماعي الذي يردد فيه كل الحاضرين نفس الذكر معا فإنه غير مشروع، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم يقرأ، والناس يستمعون)".

وأضاف: "لا فرق بين الاجتماع على الذكر في المساجد، أو البيوت، أو في المواقع الإلكترونية".

وتابع: "البعض يجتمعون في ساعة واحدة، وربما اتفقوا جميعًا أن يذكروا بصوت واحد أو بعدد معين أو بصفة معلومة وكل ذلك محظور وليس له أصل في الشرع، ويمكن لمن يحب الخير للناس أن يذكر الأصدقاء بفضل الذكر ويحثه على ذلك لا أن يقسم عليه أن يصلي على النبي مثلا مائة مرة، أو أن يذكر لفظ الجلالة كما في بعض المواقع الإلكترونية، فكل هذا ونحوه ممنوع".

وختم حديثه: "لعل أفضل العبادة ما كانت في الخفاء، لذا امتدح الإسلام عبادة الخفاء أكثر من عبادة الجهر لما لها من أثر على إخلاص العبد، ومما لا شك فيه أن الذكر إذا كان في الخفاء فإنه أفضل لبعده عن الرياء وثناء الآخرين".

تحرير إلكتروني: فاطمة الزهراء العويني