إقرأ المزيد


الإضراب هزيمة حضارية للاحتلال

وليد الهودلي
إثنين ٢٢ ٠٥ / ٢٠١٧

عندما يدخل إضراب الأسير حافظ قندس في يومه الثلاثين هذا يعني أن شبه معجزة قد تحققت، نحن نتحدث عن إنسان قد شارف الستين من عمره، أمضى منها ثماني وعشرين سنة في حبسة ماضية، أضرب فيها ما لا يقل عن عشرة إضرابات مفتوحة عن الطعام، ثم جاءته هذه الحبسة منذ سنتين ليتوجها بهذا الإضراب الذي انضم إلى سابقاته من هذه المعارك القاسية للحركة الأسيرة.


احتملت معنويات الرجل جبالًا من الألم أطاحت بثلث وزنه، وهو يرقب جسده الهزيل يتلاشى يومًا بعد يوم، واحتملت نخوة الرجال في جسده المتهالك ما يليق بتاريخه النضالي العريق، وقف بصلابة أمام كل الآلام التي تدعوه إلى التراجع عن طلائع المضربين، كل ما فيه يدعوه إلى التقدم سوى معدته التي لم تحتمل حجم الطوفان فانفجرت دفعة واحدة، نقلوه إلى مشفاهم ليفتحوا هذه المعدة، التي جفت روحها ولم يعد من بقايا الحياة فيها سوى خيط رفيع يفصلها عن الموت.


والقابضون على جمر الجوع غير حافظ كثيرون، ينتظر كل منهم دوره لينقل إلى مشافيهم، وليقوموا بهوايتهم المفضلة ويجربوا ما حلا لهم من أدوية كما ورد في أسفارهم التلمودية. وقد اختار الأسرى طريقة سلمية جدًّا في التعبير عن غضبهم والمطالبة بحقوقهم، لم يذهبوا إلى أية وسيلة عنيفة أو "إرهابية" للوصول إلى حقوقهم، ذهبوا إلى وسيلة لا يختلف اثنان في أنها سلمية، ومع هذا إن المحتل يتوعد ويهدد وينذر الأسرى بالمزيد من القهر والبطش، لقد عزل في هذا الإضراب الأسرى المضربين، وهذه في واقع حال الأسرى عقوبة قاسية جدًّا، إذ إن المضربين يقفون جبهة معنوية واحدة صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص يشد بعضهم معنويات بعض، أما أن يشتتوا ويعزلوا في زنازين انفرادية حيث لا يجد المضرب في محنته من يناجيه فهذه عقوبة في غاية القسوة، كذلك نقل المضربين من سجن إلى آخر بـ(البوسطا) اللعينة وطرقها الملتوية التي تطيل أمد السفر في صندوق حديدي مهين، وقد عمدت إدارة السجون إلى مصادرة المذاييع والتلفازات منذ اللحظة الأولى للإضراب، ما يغرق المضرب في حالة من التعتيم الإعلامي تقطعه عن العالم الخارجي، وعن معرفة ما يدور في الجبهة الخارجية المساندة للإضراب، التي هي رافد هام من روافد رفع معنويات الأسرى المضربين.


وعندما يقترب المرء من الموت ويحوم الموت قريبًا منه ويستعد إلى استقباله طوعًا تسقط حسابات كثيرة، وتنكشف الحقائق شفافة لا لبس فيها، تسقط حسابات الحياة الذليلة، والإذعان لسياسات الاحتلال المقيتة، والارتكاس في حضن فن الممكن الذي ألفنا دفئه القاتل ونزل بنا إلى الدرك الأسفل، حيث يسكن من ترسّخت في أعماقهم قابلية الاحتلال والرضوخ لأمر الواقع الذي يصنعه بيده المجرمة.


أسرانا لا يهوون الجوع ولا الموت ولا النجومية الزائفة، من موقعهم الأقرب إلى الموت يؤكدون أن زيت اشتعال إرادتهم هو فقط إيمانهم بقضيتهم العادلة، ومقتهم للاحتلال الذي يمتهن كرامتهم ويسومهم سوء العذاب، آن الأوان ليمرغوا أنفه ويخلعوا عنه أمام العالم أجمع كل ألوانه الزاهية وليكشفوا لونه الأسود وصورته الحقيقية البشعة بأقل الخسائر الممكنة؛ فأسرانا لا يملكون مثل قدراته العسكرية ولا ماكيناته الإعلامية ولا أمواله وعلاقاته الخارجية، فقط يقاومون جبروته الهائل بهذا الجسد النحيل وبهذه الأنفاس المنهكة وبهذه الكلمات المتكسرة، بعون الله ثم بهذه الأسلحة الخفيفة يسحقون كل ادعاءاته وأباطيله التي ملأ بها الدنيا شرقًا وغربًا، تمامًا كما يطلع نهار الحرية فيولي ليل الظالمين هاربًا.


ويدخلون بهذه الأنفاس التي على وشك الرحيل صراع الأخلاق، ليعروا الاحتلال ويكشفوا أن رصيده من الأخلاق تحت الصفر. أربعة وتسعين يومًا ترسم علامة استفهام حمراء أمام العالم أجمع كربيع بكين إذ بقيت وصمة عار على جبين الإنسانية عندما داست الدبابات أجساد الطلبة، وها هي دبابة فجورهم وطغيانهم تدوس أجسادنا المنهكة، هذا الجسد الذي لا يحمل تهمة ويرسم صورة بشعة للاعتقال الذي ينشر رائحة الاحتلال النتنة، ويفضح قوانينه السادية العنصرية العمياء.


ويدخل أسرانا بهذه الأنفاس التي على وشك الرحيل الصراع الثقافي، فيكشفون زيف رواية الاحتلال على هذه الأرض، يجسّدون بأجسادهم المنهكة التي تقف في وجه سيوفه التي تقطر من دمنا قصتنا معه: "إن جبروت ثقافتكم الزائفة التي بنيت على أشلائنا أمام صرخات أمعائنا ها هي تقف عاجزة ويتهاوى باطلكم، لا شرعية لكم، سنقاومكم إلى آخر نفس من أنفاسنا، لن يموت حقنا ولن يدوم باطلكم، أنتم رواية مزيفة، ولا هوية لكم على أرضنا".


ويدخلون أيضًا بهذه الأنفاس التي على وشك الرحيل صراع الحضارات ليكشفوا زيف ادعاء الاحتلال، وادعاء من يقف خلفه ويدعي أنه يقود العالم الحر: "لستم أهلًا لحوار الحضارات والصراع معكم محتوم بفشلكم وهزيمتكم، لأنكم لا تعطون للإنسان قيمة ولا تحفظون له كرامة، إلا إذا كان هذا الإنسان منكم، وهذه هي عنصرية النازية والفاشية وكل عنصرية كتبها التاريخ في صفحاته، لو كان هذا المضرب إسرائيليًّا لقامت نخوتكم وملأتم أرجاء الكون بضجيجكم، لذلك لن يعطي التاريخ في حضارته الإنسانية أي مجد لكم، وسيكتب نصرًا حضاريًّا لنا، وهكذا يمضي التاريخ البشري ليضعكم في مزبلته كما وضع كل من ساد بعنصريته وهزمت الإنسانية في روحه".


أسرانا بهذه الأنفاس التي على وشك الرحيل يؤكدون أننا لن نتخلى عن صراع الإرادات مع هذه النازية الجديدة، وكما هزمناها أخلاقيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا ستهزم قريبًا سياسيًّا، ولن يكون لها وجود في عالمنا.


سيبقى الأسرى شواهد حية على إجرام الاحتلال، وسيبقون مسامير في نعشه، والقادم هو الأعظم لنا والأسوأ له، لأنه بهذا يحفر قبره بيديه، ويكتب مستقبله بمداد إجرامه.

  • أفرج عن الأديب وليد الهودلي من سجون الاحتلال الأسبوع الماضي، بعدما أمضى أربعة أشهر في الحبس الإداري.

مواضيع متعلقة: