​أكرم نفسك فلا تهون على الناس

غزة - نسمة حمتو

مما تعيه الذاكرة قول أحد المربين حين قال: "ما رأيت شيئًا قط أحبط للأعمال ولا أفسد للقلوب ولا أسرع في هلاك العبد ولا أدوم من أحزان من قلة معرفة الإنسان قدره"، وقد قسم العلماء معرفة الإنسان قدر نفسه إلى ثلاثة أقسام: أولًا بينه وبين ذاته، وثانيًّا بينه وبين الناس، وثالثًا بينه وبين ربه، وحديثنا عن القسم الأول، وهو معرفة الإنسان قدر نفسه وذاته، ما يحقق احترامها وتقديرها وإنزالها منزلتها.

قدر النفس

الشيخ الداعية مصطفى أبو توهة يقول: "إن مراعاة حقوق النفس تذكرنا بقول عمر بن عبد العزيز حين قال: (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه)"، مشيرًا إلى أنه لا ينبغي للعاقل أن ينظر إلى نفسه التي بين جنبيه نظرة هوان واحتقار، حتى لا يقع فيما لا تحمد عقباه، فتحق عليه المقولة: "من هانت عليه نفسه كانت على الناس أهون".

ويذكر قصة هذه المقولة بالحديث: "روى شيخ رواة الأدب الإمام الأصمعي: "مررت على كناسٍ وهو ينشد قول الشاعر: (أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهةِ وسداد ثغرِ)، فقلتُ له: (لم نرك في الحروب ولم نرك تسدُ الثغور، ما رأيناك إلا أنك تسُد أفواه المجاري)"، فنظر إليه الكناس وقال: (وأكرم نفسي إني إن أهنها وحقك كانت على الناس أهون)، فقال له: (وأي إكرام لها وأنت كناس؟!)، فقال له: (الحاجة إليك وإلى أمثالك)، يقول الأصمعي: (فذهبت عن الكناس وأنا أخزى الناس)".

احترام الذات

يضيف أبو توهة: "إذًا هو احترام الذات ووضعها في المكان المناسب، فلا تتحمل ما لا طاقة لها به ولا تنكص عن موقفٍ هي له أهل، ففي الأول ظلمٌ وفي الثاني هضم، وبذلك إن العاقل يضع نفسه في مكانها المناسب؛ فلا يتكبر على الناس ولا يتواضع أكثر من اللازم، ففي ذلك ذلة وهوان، وهذا منهي عنه شرعًا".

ويستشهد بقول الرسول الكريم: "من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكرهٍ فليس منا"، وقوله أيضًا: "ما ينبغي لمسلمٍ أن يذل نفسه"، قالوا: "وكيف يذل نفسه؟"، قال: "أن يحملها ما لا تطيق".

ويؤكد أن المسلم عزيز واثق بإمكاناته وملكاته ومواهبه الأدبية والعلمية والمادية، فيفيد ويستفيد، ويخالط الناس، وهو موفور الكرامة مُهاب الجناب، فإذا تطاول عليه غيره تصدى له بكل حزمٍ خوفًا من أن يكون غرضًا لكل طامع أو هدفًا لكل رامٍ.

التودد للناس

يتابع أبو توهة قوله: "أما المساكين ومن هم دونه فإنه يتودد إليهم ويجاملهم ويجالسهم كما كان يفعل النبي (عليه الصلاة والسلام)، إذ تأخذ الجارية بيده فتطوف به شوارع المدينة المنورة بلا تأذٍّ ولا تمرد، استجابةً لأمره (تعالى): {واخفض جناحك للمؤمنين}".

ويضيف: "ومن أجل الوصول إلى احترام النفس لابد من الأخذ بأسباب ارتقائها وتألقها، وذلك بـ: أولًا إيمانه بكرامته من الله (تعالى)، وأنه مسجود الملائكة، فهو واجد من خير البرية، ثانيًّا الارتقاء بكل ما يعزز تميزه من الآخرين بتثقيف نفسه والعبُّ من مناهل المعرفة والعلوم {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}".

ويمضي بالقول: "أيضًا التخلق والتأدب بمكارم السجايا وعظيم الصفات، وقدوته في ذلك المحمد الأحمد {ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك}".

ويشدد أبو توهة على أهمية مخالطة الناس والصبر على أذاهم، والوقوف على فنون التعامل معهم، والتودد إليهم، مستشهدًا بقول أحد الحكماء: "التودد إلى الناس نصف العقل".

ويبين أن ذلك جزء من الذكاء العاطفي الذي لا يوفق إليه إلا الذين صبروا، ولا يسدد فيه إلا كل ذي حظٍّ عظيم.