​إكليل ورد لنساء فلسطين في آذار

د. زهرة وهيب خدرج
الاثنين ١٢ ٠٣ / ٢٠١٨

طوق ننسجه بأيدينا من شقائق النعمان الحمراء والأقاحي البيضاء وزنابق الوادي، نعطره بشذى الرياحين والياسمين، نكللك به، ووسام شرف نقلدك إياه أيتها الفلسطينية في آذار وفي كل شهر من شهور السنة وفي كل أيامها، شكراً منا لصنيعك وتقديراً لجميل صبرك وثباتك، فأنت تستحقين الكثير.. يا من تساوين آلاف الرجال، فالرجولة ما تعلمناها سوى منك، والبطولة ما رأيناها أمام أعيننا تتجلى في أحد إلاك، نعجز عن إيفائك حقك، مهما قلنا أو فعلنا، فاقبلي منا هذه الكلمات، عساها تسعد قلبك، وتبلغك مدى تقديرنا لك.

في آذار نتذكر همومك وآلامك أيتها المرأة الفلسطينية، فأنت المحاصرة في أكبر سجن بشري في العالم، تأنين في قطاع غزة المحاصر، ما بين انقطاع الكهرباء، وشح الماء والدواء وجميع الموارد الأخرى، فتمضين تضمدين جراحك وحدك وتقاسين آلامك وحدك وتخفينها عن الأعين، وتبثين الأمل في نفوس من حولك في ذات الوقت، تنتظرين الفجر الموعود.. فلكل امرأة في غزة إكليل غار نزينها به ونقبل رأسها، ونتمنى أن تقبله منا وتغفر لنا تقصيرنا في حقها.

نذكر العالم أجمع في آذار، أنك أنت أيتها الفلسطينية من يطلق جنود الاحتلال الغاصب النار عليها على الحواجز العسكرية بدم بارد وتحت ذرائع شتى مختلقة، فلا يطرف لهم جفن، وأنك أنت من يعتقلوك لأسباب واهية، لا يضيرهم إن كنت أماً لأطفال أو أماً تحمل جنيناً داخل أحشائها، ولا يكتفون بذلك، بل يعتقلون زوجك وأطفالك ويهدمون بيتك، دون أن يعبئوا بتشردك، ولا بما ستكابدينه من آلام وعذابات.. نُذكر العالم المنافق الذي ينادي بحقوق النساء ونصرخ بصوت مرتفع، أروني ماذا ستفعلون لنساء فلسطين اللاتي يضطهدهن الاحتلال طوال الوقت دون أن تتحركوا لنصرتهن.

في آذار يصطف الشهداء يقبلون قدميك، فأنت الأم التي أنجبتهم وأرضعتهم عشق فلسطين مع حليبها، وغرست فيهم "أن الحقوق لا توهب، بل تنتزع بالقوة كما تمت مصادرتها بالقوة"، وأنشأتهم على بذل الروح رخيصة لحماية هذه الأرض المباركة والدفاع عنها. وأنت أيضاً الزوجة التي دعمتهم وساندت مقاومتهم وصمودهم، وأكملت دربهم وتابعت مسيرهم بعد رحيلهم، فكنت الأم والأب والمعلمة والمربية والموجهة والقدوة... ولم تتوقفي لغياب الزوج والشريك، فمضيت تعبرين من محطة إلى أخرى لتمدين فلسطين بجيل يحفظ القضية والعهد ويعيد للأمة كرامتها وعزتها ومكانتها المتقدمة بين الأمم. كما أنك كنت دائماً المُقاومة التي لم تترك سبيلاً من سُبل المقاومة إلا وسلكته، وهي التي أزاحت أنوثتها جانباً ولم تتذرع بها لتركن إلى الراحة والدعة، بل انطلقت غير آبهة بالموت، لتتصدى للمحتل وقطعانه، لا يخيفها السلاح الذي يثقل كاهلهم، والذي يهددون به أمنها وحياتها، فكانت المقاتلة، والشهيدة، والأسيرة، والجريحة، والمقنعة التي تقذف جنود الصهاينة المحتلين بالحجارة والزجاجات الحارقة، والداعسة بسيارتها، والطاعنة بسكينها التي ترعب الصهاينة وتؤكد لهم: "أنكم لن تهنؤوا على هذه الأرض ما دام في أحد منا قلب ينبض". وكانت أيضاً الصحفية التي توثق التاريخ والأحداث، والطبيبة، والمعلمة، والمُزارعة، والمهندسة...

أكليل ورد ووسام شرف نضعه على رأسك يا من علمت أبنائك تاريخ فلسطين الحقيقي كما ترويه الوقائع والحقائق، لا كما يرويه المدلسون والمشوهون للتاريخ، ويا من غرست في قلوبهم حب هذه البقعة من الأرض حتى غدا حبها يوازي حبهم لأنفسهم وحرصهم عليها.

عدد لا يحصى من نساء فلسطين في هذا الشهر وفي كل شهر من نتمنى وضع الإكليل على رؤوسهن، فكل أم شهيد وشهيدة وأسير وأسيرة، وجريح وجريحة، ومقاوم ومقاومة، نكللها طوق ورد، وكل فلسطينية بقيت على أرضها مرابطة، فلم تجذبها مغريات الحياة، وتدفعها للرحيل عن وطنها نكللها بطوق ورد أيضاً، ولكل امرأة القدس بوصلتها، وفلسطين همَّها نهديها طوق ورود برية فلسطينية في آذار.