​أخلاقيات النبي ومحاربة الانتقام

د. محمد المبيض

غزوة أحد أخذت شكلاً انتقامياً من كفار قريش وتم الإعداد لها عاماً كاملاً ، وبعدما تمكن الكفار من المسلمين في نهاية المعركة أمعنوا في الانتقام بشكل وحشي جداً وسلطوا تلك النار الانتقامية التي اتقدت في قلوبهم نحو جثث المسلمين فبقروا بطونهم وشوهوا جثثهم بشكل مروع جداً ، وشاركت النساء في تلك الهجمة المسعورة على الجثث ؛ ومن بينهن كانت هند بنت عتبة التي مزقت جسد حمزة تمزيقاً مروعاً وأخرجت كبده ولا كته في أسنانها بحالة هستيرية ، وكان هدف الكفار في إباحة التمثيل بالجثث الإمعان في إيذاء المسلمين وقهرهم .

وبعد المعركة طاف النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في أرض المعركة وهالهم ما رأوا من تشويه لجثث أحبابهم ، وكان أكثرهم ألماً الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بعدما رأى ذلك التشويه غير المعهود في جثة أحب الناس إليه ، وهو عمه حمزة رضي الله عنه ، فبكى بكاءً شديداً عليه، حتى سمع لبكائه شهيقاً . بل لهول الصدمة وبشاعة المنظر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لولا أن تحزن صفية أو تكون سنة لتركته – أي حمزة – حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله سبحانه وتعالى على قريش لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم . » وقال المسلمون رعاية لحال النبي وكمده على عمه لنمثلن بهم الدهر .

كلمات خرجت من فم النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة انفعالية خلال موقف من أبشع المواقف التي عاشها ، وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر إلا أن عواطفه محكومة بمنهجه ؛ لذا جاء التوجيه الرباني مباشرة بعد تلك الكلمات ليصحح مسار تلك العواطف ، وأنزل الله سبحانه وتعالى : } وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ { فعفا النبي صلى الله عليه وسلم ، وصفح مباشرة ونهى عن المثلة .

هذا الموقف له عدة دلالات منها :

1- رسالة الإسلام مضبوطة بأخلاقيات ربانية لا تسمح لأفرادها أن يتجاوزوا معاييرها ومثلها العليا حتى لو وجدت دواعي لهذا التجاوز من باب المعاملة بالمثل .

2- ما حصل في غزوة أحد كان له الأثر الكبير في تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة التمثيل ، وذلك لما رأى فيه من امتهان لآدمية الإنسان ؛ لذا كان ينهى عن المثلة في خطبه بنفس الدرجة التي كان يحض فيها على الصدقة مما يشير إلى أن النهي عن المثلة أخذ حظاً وافراً من هديه وإرشاده .

3- المثلة امتهان لآدمية الإنسان ؛ لذا التمثيل بالجثث في نظر رسالة الإسلام ليس فيه إيذاء للعدو بقدر ما فيه اعتداء وطعن في تكريم الله سبحانه وتعالى له، و هو من هذا الوجه اعتداء على حق من حقوق الله سبحانه وتعالى ، وأهل الرسالة أبعد الناس من التقحم على حقوق الله سبحانه وتعالى .

مواضيع متعلقة: