​الحكومة تتجاهل أزمات القطاع الصحي

أكبر مجمع طبي بغزة يغلق أبواب غرف عملياته الجراحية

غزة - نور الدين صالح

"الشباك مُغلق" هي عبارة كُتبت على لوحة ورقية صغيرة عُلقت على شباك حجز العمليات الجراحية للمرضى، في مجمع الشفاء الطبي بعدما توقفت بشكل كامل منذ يومين.

حالة من الشلل التام أصابت غرف العمليات في مجمع الشفاء الطبي، جعلتها عاجزة عن إجراء أي عملية جراحية للمريض مهما بلغت قسوة حالته المرضية، نتيجة تراكم النفايات والقاذورات عقب إضراب عمال شركات النظافة العاملة في جميع المرافق الصحية.

وعلى بُعد أمتار من أقسام العمليات، حيث يوجد مبنى العيادات الخارجية في مجمع الشفاء، الذي بات فارغاً من المواطنين بشكل كامل، بعدما أغلق أبوابه أمام جميع المرضى من مختلف التخصصات، حيث يستقبل المئات من المرضى يومياً.

وتعجز الكلمات عن وصف الحالة المأساوية التي وصل إليها مجمع الشفاء الطبي، وبعض المرافق الصحية الأخرى، جراء تراكم الأزمات التي عصفت بالقطاع الصحي، مؤخرا، بدءا من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، ونفاد الوقود، وصولا إلى إضراب عمال شركات النظافة.

ولأول مرة تتوقف الخدمات الصحية في مجمع الشفاء الطبي (أكبر مجمع طبي في قطاع غزة)، منذ إنشائه عام 1964، بسبب إضراب عمال النظافة، الذين تتجاهل الحكومة دفع مستحقات شركاتهم، وتأخر رواتبهم.

من وسط ساحة مجمع الشفاء، تستصرخ الحاجة أم العبد الفيومي التي قدمت من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، لإجراء عملية جراحية لكريمتها، علّ أحداً يسمعها ويلبي نداءها.

وتروي الفيومي لمراسل "فلسطين" الذي تواجد في المكان ورصد واقع المستشفى، أنها جاءت لإجراء عملية "الولادة القيصرية" التي كانت مُقررة أمس، لكنها تفاجأت برد الأطباء "أوقفنا العمليات بسبب إضراب عمال النظافة".

رد صادم كان بالنسبة للفيومي، خاصة أن حالة كريمتها صعبة وتعاني من نزيف، يستلزم إجراء عملية عاجلة، وأي تأخير في إجرائها ينعكس سلباً على صحتها.

وتروي الفيومي "استدنت 30 شيقلا من الناس، للقدوم للمستشفى، ودفعت منهم 13 تذكرة للعملية"، وبصوت عالٍ مملوء بالألم والحسرة تستغيث الستينية الجهات المختصة ووزارة الصحة ممثلة بوزيرها جواد عواد، للتدخل لإنقاذ الواقع الصحي، وحياة كريمتها المهددة بالخطر.

ويتجرع ألاف المرضى كأس المرارة التي تجرعت منها الحاجة الفيومي، جراء توقف العمليات الجراحية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.

ويقول مدير قسم الجراحة في مجمع الشفاء الطبي د. مروان أبو سعدة، إن الوضع الطبي في المستشفى، وخصوصاً أقسام العمليات الجراحية، أصبح "غير آمن على حياة المرضى".

ويؤكد أبو سعدة لـ "فلسطين"، أن تكدس القمامة والمخلفات الطبية في المستشفيات، يجعل البيئة الطبية غير آمنة، "لذلك أوقفنا العمل بكل العمليات المجدولة والطارئة، ما عدا انقاذ الحياة"، وفق قوله.

ويشدد على أن إضراب عمال شركات النظافة يزيد من معاناة أهالي قطاع غزة، لا سيما المرضى منهم، مُطالباً بضرورة صرف رواتبهم ومستحقاتهم، كونهم لم يتلقوها منذ 5 شهور.

ويناشد أبو سعدة، جميع المسؤولين وعلى رأسهم وزير الصحة، للتدخل لحل الأزمة بشكل نهائي، مُعتبراً تراكم القاذورات وخلق بيئة غير صحية في المستشفى "كارثة كبرى".

عمال النظافة

ولا تخفى حال عمال النظافة في المستشفيات السيئة والمُتردية على أحد، كونهم يتلقون أجوراً متدنية جداً.

وتشتكي إحدى عاملات النظافة في المستشفى أم وسيم، من تردي الاوضاع الاقتصادية التي حلّت بعائلتها نتيجة عدم تلقيها راتبها الذي لم يتجاوز الـ 700 شيقل، منذ حوالي 5 شهور.

وتقول أم وسيم التي تعيل أسرة مكونة من 4 أطفال، لمراسل "فلسطين"، إنها تقطن في شقة بالإيجار، ونتيجة عدم دفع المبلغ المستحق عليها، طردها صاحب الشقة، كونه حذرها في أكثر من مرة، وقد قطع الكهرباء عنها منذ أسبوع.

وتستغرب أم وسيم التي أُجبرت على العمل في النظافة، كون زوجها كبيرا في السن، المماطلة التي تنتهجها الحكومة وإعطاء وعود "التسكين" لصرف رواتبهم المستحقة رغم تدنيها.

وخلال حديثها دخلت في نوبة بكاء، لتستصرخ الحكومة لضرورة صرف رواتبهم "كفاكم كذباً وتسويفا ومماطلة"، مهددةً "بحرق نفسها وأولادها في حال استمر الوضع على حاله".

بدوره، استنكر المتحدث باسم شركات عمال النظافة، نبيل أبو عقلين، "الوعود الباطلة" التي تلقوها من الحكومة، وعدم دفع المستحقات الواجبة عليها.

ويوضح أبو عقلين لـ "فلسطين"، أن عمال النظافة يعانون أوضاعاً اقتصادية ومعيشية صعبة للغاية، نتيجة عدم تلقيهم رواتبهم منذ 5 شهور.

ويؤكد أنهم سيواصلون إضرابهم عن العمل، حتى تحقيق مطالبهم وصرف وراتبهم المستحقة وفق آلية جديدة محددة، مشيراً إلى أنهم تواصلوا مع وزارة الصحة، ولم يتلقوا أي رد حتى اللحظة.

ويتلقى قرابة 500 ألف شخص سنوياً العلاج في مجمع الشفاء الطبي، ويشتمل على جميع التخصصات، لذلك فإن توقف الخدمات الطبية التي يقدمها يمثل انهيارا للمنظومة الصحية بأكملها، وفق مسؤولين في الوزارة.