​إجازة عمل

انتصار الدنان

خبط باب البيت بيديْه الصّغيرتيْن، وركله برجله الّتي يركل بها الطّابة الصّغيرة، بينما يمارس هوايته المحبّبة مع رفاقه، فوجد أمّه جالسة على الأرض، واجمة، تضع رأسها الذي تدور فيه أفكار عديدة بين يديْها. أمّا والده فكان واقفًا أمام نافذة بيتهم الصّغيرة الذي في معظم الأيّام لا تدخله نور الشّمس، يسند بيده اليسرى حائط البيت الذي يشعر أنّه سيقع عليهم عندما يدوي صوت الرّعد، وتشتدّ الرّياح، ويده الأخرى يضعها على خصره، صامتًا، ليس لديه سوى التّحديق بالحائط المقابل لبيتهم، فانعقد لسانه، ولم يعد يعلم لم كان آتيًا مسرعًا إلى البيت، لكنّه ما لبث أن التقط أنفاسه، وسأل والده:

- أبي، ما الذي يحدث في الخارج، ولمَ كلّ هذه المسيرات؟

- إنّه قرار إجازات العمل.

- ماذا يعني هذا؟

- لن أستطيع الذّهاب إلى البستان المجاور، لأقطف الحمضيّات، وأحضر لك ما تشتهيه من مأكل من دون وجوده معي.

- أبي، منذ مدّة، وأنا أطلب منك أن تشتري لي طابة قويّة، لكنّك حتّى اللّحظة لم تشترها لي.

- ومن أين سآتي بثمنها؟

- من عملك.

- وإن قلت لك إنّني لن أستطيع شراءها، وحتى شراء الطّعام لتأكله.

لم يأبه الولد لكلام أبيه. لم يدرك معنى الكلام، لكنّه أصرّ على أن يشتري له والده الطّابة التي يريد، ليلعب بها مع رفاقه في الفسحة الضّيّقة أمام البيت، حتّى لو كلّفه ذلك صراخ الجيران عليهم.

أدار وجهه نحو أمّه، وقال لها: أمّي، لقد رأيت نسوة عديدات يسرن في شوارع المخيّم، يحملن أعلام فلسطين، ويهتفن، لكنّني لا أعلم ماذا كن يقلن، ولماذا كلّ هذا الصّراخ.

- إنّها إجازة العمل.

- ماذا تقصدين بذلك، أبي قالها، وأنت تكررينها.

- نحن، يا بنيّ، ولدنا في لبنان، بعد أن لجأ جدّاك إليه، هربًا من عصابات العدوّ الصّهيونيّ التي احتلّت أرضنا، وطردتنا من بيوتنا، وما زلنا فيه منذ إحدى وسبعين سنة ننتظر العودة إلى ديارنا، وكان والدك يعمل في البستان، يقطف الحمضيّات، ويعتني بأرض البستان، ويتقاضى أجرًا زهيدًا لنعيش به، لكن والدك بعد أن بدأ وزير العمل اللبناني تطبيق خطة تجاه العمالة الأجنبية، وطالت العمال الفلسطينيين لن يستطيع العمل إن لم يحصل على تلك الإجازة، مع أنّنا محرومون من مزاولة أكثر من سبعين مهنة.

- لم أفهم يا أمّي.

- نحن نطالب باستثناء العامل الفلسطينيّ من هذه الإجازة، إذ إن الحصول عليها يسقط عنه حقّ اللّجوء، وتجبره على التّوطين أو الهجرة إلى بلدٍ آخر. يريدون أن ينتزعوا فلسطينيّتنا منّا، يا بنيّ.

أدار الولد ظهره لأمّه وأبيه، وخرج يسير مع السّائرين في شوارع المخيّم. حمل علمًا، وهتف: لا للتّوطين.