إقرأ المزيد


​أحوال السلف في قيام الليل

أ.د نعيم الصفدي
سبت ١٠ ٠٦ / ٢٠١٧

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ" (صحيح مسلم).

وبين النبي (صلى الله عليه وسلم) أن أفضل الصلاة بعد الفريضة هي صلاة قيام الليل، روى أحمد وغيره بسند صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟"، قَالَ: "الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْل"، قِيلَ: "أَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟"، قَالَ:" شَهْرُ اللهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّم".

قال الحسن البصري: "لم أجد شيئًا من العبادة أشد من الصلاة في جوف الليل".

وقد كان أبو هريرة (رضي الله عنه) يقسم الليل بينه وبين زوجته وخادمه، عن أبي عثمان النهدي قال: "تضيّفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يقسّمون الليل أثلاثًا، يصلّي هذا ثم يوقظ هذا".

وكان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كان كأنه حبة على مقلى، فيقول: "اللهم إن النار قد أسهرتني"، ثم يقوم إلى الصلاة.

وكان طاوس يثب من على فراشه ثم يتطهر ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين".

وذكر الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" الأسباب التي بها يتيسر قيام الليل، قال :"اعلم أن قيام الليل عسير على الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهرًا وباطنًا، فأما الظاهرة فأربعة أمور:

الأول: أَلَا يُكْثِرَ الْأَكْلَ فَيُكْثِرَ الشُّرْبَ فَيَغْلِبَهُ النوم ويثقل عليه القيام.

الثاني: ألا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب، فإن ذلك أيضًا مجلبة للنوم.

الثالث: أَلَا يَتْرُكَ الْقَيْلُولَةَ بِالنَّهَارِ فَإِنَّهَا سُنَّةُ للاستعانة على قيام الليل.

الرابع: ألا يحتقب الأوزار بالنهار؛ فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة.

وقال الثوري: "حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته"، قيل: "وما ذاك الذنب؟"، قال: "رأيت رجلًا يبكي، فقلت في نفسي: هذا مراء".

أما الميسرات الباطنة فأربعة أمور:

الأول: سلامة القلب من الحقد على المسلمين ومن البدع ومن فضول هموم الدنيا.

الثاني: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل؛ فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره.

الثالث: أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حَتَّى يَسْتَحْكِمَ بِهِ رَجَاؤُهُ وَشَوْقُهُ إِلَى ثَوَابِهِ؛ فَيُهَيِّجُهُ الشَّوْقُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ وَالرَّغْبَةِ فِي دَرَجَاتِ الجنان.

الرابع: _وهو أشرف البواعث_ الحب لله، وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ فِي قِيَامِهِ لَا يَتَكَلَّمُ بحرف إلا وهو مناج رَبَّهُ وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْخَطَرَاتِ مِنَ اللَّهِ (تَعَالَى) خِطَابٌ مَعَهُ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهَ (تَعَالَى) أَحَبَّ لَا مَحَالَةَ الْخَلْوَةَ بِهِ وَتَلَذَّذَ بِالْمُنَاجَاةِ فَتَحْمِلُهُ لَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ بِالْحَبِيبِ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ".

أسأل الله (تعالى) أن يعيننا وأن يرزقنا وإياكم المداومة على قيام الليل، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر الفضيل.

والحمد لله رب العالمين

مواضيع متعلقة: