إقرأ المزيد


​طبيبٌ حقق مراكز متقدمة في عدة مسابقات

أحمد بديع طه استعان بالكتمان فـحفظ القرآن

غزة - هدى الدلو

في جلسة سمر، وأجواء عائلية يسودها الانسجام رفع الأخ الأكبر صوته مقاطعًا الجميع، قال: "بدي أحكي لكم خبر حلو"، التزم أفراد العائلة الصمت، ولاحظوا نظراته الموجهة إلى "أحمد"، ثم توجه بنظره إلى والده الذي يتوسط المجلس، وأخبره: "هادا ابنك (وأشار بأصبع السبابة إلى أحمد) اللي قاعد بينا أنهى حفظ القرآن"، اتسعت الأحداق، وانهالت المباركات، وكثرت الأسئلة: حقًّا؟، كيف؟، متى؟، كلٌّ ينتظر تأكيد الخبر، فما كان منه إلا هز رأسه مؤكدًا، فقد كان مشروع الحفظ سرًّا يحتفظ به لنفسه.

أحمد بديع طه (24 عامًا) ابن قرية سِرطة الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة نابلس، أنهى دراسة الطب، ويعمل حاليًّا معيدًا في كلية الطب البشري بجامعة القدس، وبالتزامن مع بداية دراسته الجامعية بدأ مشروعًا آخر، هو حفظ القرآن، فارتقى فيه ونال مراكز متقدمة في العديد من المسابقات المحلية والدولية، وحصد العام الحالي المرتبة الأولى في مسابقة الملك عبد العزيز الدولية للقرآن الكريم" بالمملكة العربية السعودية.

"فلسطين" حاورت الشاب الدكتور طه لتستمع إلى تجربته في الحفظ، وفي الجمع بين الطب والقرآن.

أحلام الطفولة

ترعرع أحمد في أسرة ملتزمة بالإرشادات النبوية والنصوص القرآنية في تعليم أبنائها الصلاة لسبع، إلى جانب تشجيعهم على ارتياد المساجد وحفظ القرآن، فحفظ في صغره بعض السور القصيرة والأجزاء المتفرقة من القرآن على فترات متقطعة، ولم يتجاوز مجمل ما حفظه خمسة أجزاء.

قال طه لـ"فلسطين": "حِفظ القرآن كان حلمًا لا يفارق مخيلتي وأنا صغير، فكنتُ متعلقًا بالاستماع إلى المشايخ، وكنت أسجل بصوتي تسجيلات صوتية أقلد فيها بعض المشايخ، وأيضًا كنت مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بالعلوم الشرعية".

مرّت السنوات وهو لا يزال ينتظر الوقت المناسب ليتخذ خطوة عملية على أرض الواقع، فكلّما عزم نيته على الحفظ وبدأ به كان لا يلبث أن تنهار قواه ويتوقف، ثم يعود بعد مدة للمحاولة من جديد، وهكذا في كل مرة يبدأ ولا يستمر.

وعن البداية الحقيقية قال: "ولكن بعدما أنهيت الثانوية العامة قررت أن أبدأ بداية حقيقية، وأن أضع كل الذي سبق جانبًا حتى أستطيع أن أبني بناءً جيدًا ومنتظمًا في العلوم الشرعية، والأداء الصوتي في القرآن، وتعلم القراءات".

هذه الحلم القديم المتجدد بدأ يتحقق لضيفنا وهو على عتبة التعليم الجامعي والتحاقه بكلية الطب في السنة الأولى عام 2009م، وبدأ فعليًّا بالحفظ الذي استمر أربع سنوات، إلى جانب تعلم التلاوة والتجويد، مع الحصول على إجازة في القرآن بقراءته كاملًا على أحد المشايخ قراءة متقنة، ثم سلك طريقًا جديدًا في تعلم القراءات المختلفة، والأدب الصوتي وغير ذلك من العلوم.

مشاركاته

في عام 2011م شارك طه أول مرة في "مسابقة الأقصى" المحلية بعشرين جزءًا من القرآن، وفي العام الذي يليه شارك أيضًا في تصفية محلية ثم رشح اسمه لمسابقة عربية، وفي صيف العام نفسه كانت له أول مشاركة دولية يمثل فيها دولة فلسطين بدبي، وحصل على المركز الثالث في جائزة الكويت الدولية السادسة في حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتجويده عام 2015م، ثم حصد أخيرًا المركز الأول في المسابقة القرآنية العالمية "مسابقة الملك عبد العزيز الدولية للقرآن الكريم" بالمملكة العربية السعودية.

وتابع طه: "شعور رهيب وأنت تتوج بلقب على مستوى العالم في حفظ القرآن، ولكن صدقًا في أثناء ذهابي إلى المسابقة لم يجول في خاطري اللقب، لأني لم أشارك بحثًا عن الفوز بقدر ما كنت أتوق إلى أن يلامس صوتي أروقة الحرم المكي، وأن يستمع لي المشايخ هناك"، مضيفًا: "وإن جنسيتي الفلسطينية كانت لها لمسة في معاملتي، فعندما علمت لجنة التنسيق للمسابقة أني فلسطيني طلبت مني أن أختار الوقت الذي يناسبني للتسميع، فالنظرة إلى الفلسطينيين نظرة حب وتقدير، وهذا كله عندما يجتمع في بوتقة واحدة يشكل شعورًا لا يُوصف".

بين الطب والقرآن

ومع صعوبة مجال دراسته، والدقة التي يحتاج لها هناك متسع من الوقت والجهد الذي يمكن لضيفنا استثماره بشيء مفيد، وعلى ذلك علّق: غالبًا الفرد في عمر الشباب يُشتت نفسه بين أكثر من قضية، ولكن إن أعطى الإنسان تركيزه واهتمامه لشيء واحد إلى جانب الدراسة؛ فسيخرج بثمرة جيدة".

وأشار إلى أن جهده في الحفظ على مدار عدة سنوات كان محصلة الجهد القليل والمتواصل، إذ فعل ذلك اقتداءً برسولنا الكريم عندما قال: "أحب الأعمال إلى الله أدومها، وإن قل".

وبين طه أنه اختار الطب لشغفه بما يرتبط بالأعصاب، فالتحق بذلك المجال دون الخوض في معترك التفكير والمعاناة بعد إعلان نتائج الثانوية العامة، أيضًا تستهويه معرفة الوظائف العليا في جسم الإنسان، ومنذ صغره كان محبًّا لمادة العلوم العامة، فكان معلمه يتملك حواسه في أثناء شرحه لوحدة الأحياء، فيسرق منه تركيزه بطريقة رهيبة في الشرح، ما جعله يرى أن الطب هو التخصص الجامعي المناسب لميوله، والذي يتيح له الغوص في بحر رغباته، وخاصة فيما يتعلق بالأبحاث العصبية.

الحفظ في الخفاء

أخفى طه قراره عن أقرب الناس إليه، وحفظ القرآن بعيدًا عن أسئلة الآخرين واستفساراتهم، التي قد تزعجه، وإن كانت من باب الاطمئنان عليه.

قال: "حفظت في السر لسببين: الأول هو إيماني بقاعدة (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)، فعندما يكون الأمر بين الإنسان ونفسه تكون الهمة أقوى وأشد، والسبب الثاني هو أني لم أحبذ أن يخلق لي المحيطون بي جوًّا خاصًّا أجد نفسي فيه رغمًا عني بالأسئلة اليومية للاستفسار عمّا حفظته، فأردت منع ذلك، خاصة أن الحفظ أمر شخصي".

لاشك أنه كان للقرآن لمسة على شخصيته؟، فما هي؟، أجاب طه: "لا يمكن القول إن هناك جانبًا واحدًا تغير، بل في الحقيقة إن كل شخصية أحمد قد تغيرت مع القرآن".

وقال مندمجًا في الحديث عن شخصيته الجديدة: "تغير أحمد القديم في تفاعله مع الناس، وتفكيره في كثير من القضايا، أصبح يُفعّل الجانب القرآني حتى أنه يسقطه على دراسته في الطب، فيربط بين الواقع والمخزون القرآني، هذا إلى جانب أنه هذب سلوكي الإنساني بفضل جلوسي مع المشايخ، وبفعل التلاوة القرآنية التي تعلم أدب التعامل والحديث، وأيضًا شخصيتي صُقلت بشكل مختلف تمامًا، إضافة إلى أن تفاعل الناس مع الحافظ للقرآن يختلف عن غيره".

ولذلك إن طه على يقين بأن حفظ القرآن إلى جانب أنه مقام تشريف هو أيضًا مقام تكليف، إذ تُسلط الأضواء على الحافظ، لتقع على عاتقه مسئولية أكبر من غيره في التمثيل الجيد للإنسان المسلم من النواحي كافة، وإنه سينعكس على حياته المستقبلية في بناء أسرته وفي تربيته لأبنائه.

في غرفته، وبجوار سريره أدراجٌ خشبية مُعلق عليها أكثر العبارات التي تؤثر فيه، من القرآن، والأحاديث النبوية، وأقوال العلماء، وعلى رأس ذلك الآية القرآنية في سورة الشرح: "وإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب"، وعن تأثيرها قال: "هذه الآية تلامس شغاف قلبي المتعب في بعض الأحيان، بمجرد قراءتها ينتفض لها جسدي لتداوي جروحي، فأقف عندها متأملًا لأنني أشعر أنها تلخص حياتي".

ولا شيء عنده أجمل من أن ينصت بكل تركيز لقراءة الشيخ محمد صديق المنشاوي، فهو من أكثر القراء الذين يتعلق بصوتهم، لأنه عندما يقرأ القرآن يقرؤه بقلبه قبل أن يتفوه به، فيتفاعل المستمع مع قراءته، على حد وصفه.

ختم طه حديثه بالقول: "حفظ القرآن ليس سهلًا بل مُيسرًا من عند الله، وكما يقول العلماء القرآن لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فالإنسان إذا نوى واجتهد وجعل الحفظ هدفًا بنية صالحة؛ فلاشك أن الله سييسره من عنده".

تحرير صحفي: فاطمة أبو حية
مواضيع متعلقة: